المتأمل في أحداث شهر رمضان عبر التاريخ الإسلامي سيجد أمورًا عجيبة ، هذه الأمور ليست مصادفة ، وكل شيء عند الله عز وجل بمقدار ، سيجد أن المسلمين ينتقلون كثيرًا من مرحلة إلى مرحلة أخرى في شهر رمضان ، من ضعف إلى قوة ، ومن ذلٍّ إلى عزَّة ، فرمضان شهر الجهاد ، ليس فيه تعطيل للقتال ، و لا راحة للمؤمن ...
أول خروج للمسلمين لقتال مشركي قريش كان في رمضان سنة 1هـ في سرية حمزة بن عبد المطلب ، وتمر الأيام ويأتي شهر رمضان سنة 2هـ ، ويحدث في هذا الشهر غزوة بدر الكبرى ، وقد انتهت بالنصر الباهر للمسلمين ، فغيَّرت مجرى التاريخ ؛ لذلك سماها ربنا عز وجل يوم الفرقان ، وربطها بشهر رمضان من أجل أن نتفكر دائمًا في هذا الشهر .
أما في رمضان سنة 8هـ فكان الموعد مع حدث من أهم أحداث التاريخ ، إنه فتح مكة ، و الفصل الاخير مع مشركي قريش ، و في الشهر نفسه بعث الرسول خالد بن الوليد ليهدم صنم العزى ، فهدمها ، و بعث عمرو بن العاص ليهدم صنم سواع ، فهدمه ، و بعث سعد بن زيد ليهدم صنم مناف، فهدمه.
أما في سنة 13هـ فحدثت موقعة البويب بقيادة البطل الإسلامي المثنى بن الحارثة، وكانت هزيمة مروعة للجيش الفارسي ، ويأتي رمضان جديد على المسلمين سنة 53هـ، و يفتح فيه معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- جزيرة رودس في البحر الأبيض المتوسط .
ويتسلسل بنا التاريخ لنصل إلى رمضان سنة 91هـ ليفتح المسلمون أولى صفحاتهم في الأندلس و تدخل اول سرية اسلامية لاستكشاف الأندلس ، بقيادة طريف بن مالك رحمه الله وفي رمضان سنة 92هـ يقود طارق ابن زياد المسلمون لفتح الاندلس فيتغيَّر على إثرها كل تاريخ المنطقة في شمال إفريقيا وفي غرب أوربا، بل تاريخ أوربا كله.
و في رمضان من العام 223 هجرية، قاد الخليفة العباسي المعتصم بنفسه جيشا كبيرا لفتح عمورية بعد أن استنجدت به امرأة بقولتها المشهورة "وامعتصماه".
أما عن جهاد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله فحدث ولا حرج ، حيث كان كثير الجهاد في رمضان ؛ و في 26 من شهر رمضان عام 584هـ قاد صلاح الدين المسلمين في معركة حطين التي أعادت للأمة هيبتها وقبة قدسها .
وفي 25 رمضان سنة 658هـ حدثت الموقعة التي هزَّت الأرض بكاملها موقعة عين جالوت، وفيها كان الانتصار الإسلامي الباهر بقيادة سيف الدين قطز رحمه الله على جحافل التتار، بعد ان وصل المسلمون فيها إلى أدنى درجات الذل والهوان، ثم تغيَّر الوضع، وعادت الكرامة والعزة للمسلمين مرة أخرى في رمضان سنة 658هـ، وليس كأي انتصار؛ لقد فني جيش التتار بكامله.
وفي رمضان 790 هجرية فتح السلطان العثماني مراد الأول البوسنة والهرسك ، وفي رمضان 889 فتح محمد الفاتح شبه جزيرة القرم وكان فتح القرم بمثابة ضربة موجعة لكل أوروبا وفي مقدمتها روسيا .
وفي رمضان 927 هجرية، فتح السلطان سليمان القانوني بلغراد ، وبعد أن كانت بلغراد من أهم مراكز النصرانية ومحاربة الإسلام أصبحت من أعظم مراكز الحضارة الإسلامية في أوروبا لقرون طويلة.
والمعارك والغزوات التي كُلِّلت بالانتصار في هذا الشهر المبارك كثيرة ، لكن اقتصرت على أشهرها ، أو كما يقال: ( يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق ) واللهَ نسأل أن يردَّ هذه الأمة إلى دينها ردًّا جميلاً ، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.