بعد إستشهاد الحسين رضي الله عن ورفض عبدالله بن الزبير رضي الله عنه مبايعة يزيد بن معاوية، وتحصنه في مكة، أرسل يزيد جيشا لإرغامه على البيعة بقيادة مسلم بن عقبة، الذي مات في الطريق إلى مكة، فتولى بدلا منه "الحصين بن نمير" ، وحاصر ابن الزبير أربعة وستين يومًا، دارت خلالها بعض المناوشات بينهم وبين أنصار عبدالله بن الزبير رضي الله عنه ، وفي أثناء ذلك جاءت الأنباء بهلاك يزيد بن معاوية فساد الاضطراب في صفوف جيش يزيد
بايع أهل دمشق لولده معاوية بن يزيد وكان يومها شابًا في العشرين من عمره، غير أن معاوية هذا كان زاهدًا في الأمر، فتنازل عن الأمر بعد عشرين يومًا وقيل ثلاثة أشهر من مبايعته، دون أن يستخلف أحدًا، ومات بعدها بأيام
في مكة توقف القتال بين الفريقين، وعرض الحصين بن نمير على ابن الزبير أن يبايعه قائلاً له: "إن يك هذا الرجل قد هلك (أي يزيد) ، فأنت أحق الناس بهذا الأمر، هلُمَّ فلنبايعك، ثم اخرج معي إلى الشام؛ فإن الجند الذين معي هم وجوه أهل الشام وفرسانهم، فوالله لا يختلف عليك اثنان". إلا أن عبدالله بن الزبير رفض قبول بيعته.
بويع لعبدالله بن الزبير رضي الله عنه بالخلافة, فإن المسلمون لم يجدوا خيرًا منه لتولي هذا المنصب الجليل وجائته البيعة من الحجاز، و اليمن، و العراق وخراسان وإلى أقصى ديار الإسلام شرقا، وفي مصر وما يتبعها من ديار الإسلام غربا، وبايعت الشام أيضًا إلا بعض جهات منها حيث كان يتحصن بنو أمية.
في العراق, تواصل فئة من أهل العراق يُريدون الثأر للحسين ندمًا على ما كان من أهل العراق من تقاعس عن نصرته, فاجتمع منهم جيش في ربيع الأول سنة 65هـ، وساروا إلى قبر الحسين ليبكوه ويترحموا عليه، وساروا إلى الشام في حملة بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي عُرفت بجيش التوّابين لقتال عبيد الله بن زياد الذي أمر بقتل الحسين، فالتقوا جيشًا أمويًا في عين الوردة، وانهزم التوابون هزيمة ساحقة لقلة عددهم، وقُتل عدد من قادتهم وتمكن رفاعة بن شداد البُجليّ من الانسحاب بمن بقي منهم إلى الكوفة.
في تلك الأثناء، لمع نجم المختار بن أبي عبيد الثقفي أحد سادة ثقيف الذي حاول استثمار الظروف المضطربة التي تمر بها دولة الخلافة، فحاول الاتصال بعبد الله بن الزبير والانضمام إليه على أن يستشيره في أموره ويستعين به في قضاء أعماله، وهو ما لم يستسغه ابن الزبير فانصرف المختار إلى الكوفة، وطالب بدم الحسين زاعمًا أنه مُفوّض بذلك من قبل ابن الحنفية محمد بن علي بن ابي طالب (أخو الحسين من ابيه), وهو ما نفاه ابن الحنفية نفسه.
قويت شوكة المختار بانضمام إبراهيم بن الأشتر النخعي إلى جواره، فثار على عبد الله بن مطيع والي ابن الزبير على الكوفة، وأخرجه منها. بعدئذ، تتبع المختار من كان من قتلة الحسين في الكوفة فقتلهم، ثم أرسل في محرم سنة 67 هـ جيشًا بقيادة إبراهيم بن الأشتر لقتال عبيد الله بن زياد، فالتقيا عند نهر الخازر قرب الموصل، وهزم جيش ابن الأشتر جيش ابن زياد، وقُتل عبيد الله بن زياد والحصين بن نمير في تلك المعركة، فتعاظم أمر المختار وأعدّ للسير إلى البصرة. كان مصعب بن الزبير واليًا لأخيه على البصرة، وحين نما إلى علمه عزم المختار على قتاله، بادر بالخروج إليه وحاصره بالكوفة حتى تمكن من المختار وقتله.
ثم أقام مصعب بن الزبير أخو أمير المؤمنين عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما بالكوفة لضبطها وإعادة النظام إليها بعد أن عمتها الفوضى والتمرد إثر الحركات المختلفة.
وفي سنة 72هـ قرر عبد الملك بن مروان الذي أستقر عليه أمر بنو أمية, أن يسير بجيش هائل قاصداً العراق لحرب مصعب والي امير المؤمنين عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما ، فبلغ مصعباً مسيرُ عبد الملك، فأراد الخروج للقائه وطلب من أهل البصرة النهوض معه لقتال جيش بن مروان فأبى عليه أهل البصرة وتباطؤوا فخرج مصعب بن الزبير في جماعة قليلة لصد بغي عبدالملك بن مروان.
ولمّا التقى الجيشان وجعل مصعب بن الزبير ينهض أصحاب الرايات ، ويحث الشجعان والأبطال أن يتقدموا إلى الأمام , ولكنهم خذلوه، وما بقي معه إلا إبراهيم بن الأشتر وقلة قليلة، قتل منهم من قُتل، وانصرف الباقي فارين، فأتى محمد بن مروان إلى مصعب يعطيه الأمان، فرفض وقال: «إن مثلي لا ينصرف عن هذا الموضع إلا غالباً أو مغلوباً» وكان ساعتها معه سبعة أشخاص هو ثامنهم.
وقال : "لي بالحسين بن علي أسوة حين امتنع من إلقائه يده ، ومن الذلة لعبيد الله بن زياد ، وجعل ينشد ويقول مسليا نفسه :
"وإن الألى (آل البيت) بالطف (معركة كربلاء) من آل هاشم تأسوا فسنوا للكرام التأسيا"
وأستل سيفه وهجم على جيش بن مروان. ومازال يقاتل فيهم وحده كالليث الهصور والأسد الجسور حتى رماه زائدة بن قدامة الثقفي برمح قصير فقتله واحتزّ رأسه .
وقيل أن عبد الملك بن مروان كان يحب مصعبا حبا شديدا ، وكان خليلا له قبل الخلافة, ولما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك فبكى وقال : والله ما كنت أقدر أن أصبر عليه ساعة واحدة من حبي له حتى دخل السيف بيننا ، ولكن الملك عقيم.
فقال الرجل الذي جاء برأسه : والله يا "أمير المؤمنين" لو رأيته والرمح في يده تارة ، والسيف تارة ; يفري بهذا ، ويطعن بهذا ، لرأيت رجلا يملأ القلب والعين شجاعة وإقداما ، ولكنه لما تفرقت رجاله ، وكثر من قصده وبقي وحده ما زال ينشد :
وإني على المكروه عند حضوره أكذب نفسي والجفون له تغضي
وما ذاك من ذل ولكن حفيظة أذب بها عند المكارم عن عرضي
وإني لأهل الشر بالشر مرصد وإني لذي سلم أذل من الأرض
وقد قتل معه أولاده عيسى الأكبر وعكاشة وجعفر وحمزة وسعد وغيرهم
=======================================
المصادر :
1 / منهاج السنة النبوية : لشيخ الإسلام ابن تيمية
2 / البداية والنهاية : بن كثير
3 / المنتظم في تاريخ الملوك والأمم : بن الجوزي
4 / تاريخ الرسل والملوك : الطبري
5 / الكامل في التاريخ : بن الأثير
6 / العواصم من القواصم : أبي بكر بن العربي
7 / تاريخ الخلفاء : السيوطي
8 / موقع قصة الاسلام : د/ راغب السرجاني