بعد وفاة معاوية سنة 60 ھ ، وَلِي الخلافة يزيد بن معاوية فلم يكن له همٌّ حين ولي إلا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية البيعة له ، فكتب إلى عامله على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان يأمره بأخذ البيعة من هؤلاء النفر الذين أبوا على معاوية استخلاف ولده، وعلى رأسهم الحسين بن علي .
وقد خرج الحسين رضي الله عنه تحت جنح الظلام متجهًا إلى مكة، واستصحب معه بنيه وإخوته وجُلّ أهل بيته، وفي الطريق لقي ابنُ عمر وابن عباس الحسينَ وابن الزبير في طريقهما إلى مكة، وكان ابن عمر وابن عباس قادمَيْن منها إلى المدينة فسألاهما عما وراءهما، فقالا: قد مات معاوية، والبيعة ليزيد.
فقال لهما ابن عمر: "اتقيا الله، ولا تفرقا جماعة المسلمين".
وعندما قدما المدينة وجاءت البيعة ليزيد من البلدان بايع ابن عمر وابن عباس، ولم تكد أخبار وفاة معاوية ولجوء الحسين وابن الزبير إلى مكة ممتنعين عن البيعة ليزيد ، تصل إلى أهل الكوفة حتى حَنُّوا إلى تمردهم وانتقاضهم القديم ، فراسلوا الحسين بن علي ودعوه إليهم ووعدوه النصرة.
فأرسلوا إليه الرسل والكتب يدعونه فيها إلى البيعة ، وبلغت الكتب التي وصلت إلى الحسين أكثر من خمسمائة كتاب.
عند ذلك أرسل الحسين ابن عمه مسلم بن عقيل ليتقصى الأمور ويتعرف على حقيقة البيعة وجليتها ، فلما وصل مسلم إلى الكوفة تيقن أن الناس يريدون الحسين ، فبايعه الناس على بيعة الحسين وذلك في دار هانئ بن عروة ، وحلفوا له لينصرنه بأنفسهم وأموالهم، فاجتمع على بيعته من أهلها ثمانية عشر ألفًا.
ولما بلغ الأمر يزيد بن معاوية في الشام أرسل إلى عبيد الله بن زياد والي البصرة ليعالج هذه القضية ، ويمنع أهل الكوفة من الخروج عليه مع الحسين ، فدخل عبيد الله بن زياد إلى الكوفة ، وأخذ يتحرى الأمر ويسأل ، حتى علم أن دار هانئ بن عروة هي مقر مسلم بن عقيل وفيها تتم المبايعة .
فخرج مسلم بن عقيل على عبيد الله بن زياد وحاصر قصره بأربعة آلاف من مؤيديه ، وذلك في الظهيرة .
فقام فيهم عبيد الله بن زياد وخوفهم بجيش الشام ورغبهم ورهبهم فصاروا ينصرفون عنه حتى لم يبق معه إلا ثلاثون رجلاً فقط ، وما غابت الشمس إلا ومسلم بن عقيل وحده ليس معه أحد.
فقبض عليه وأمر عبيد الله بن زياد بقتله فطلب منه مسلم أن يرسل رسالة إلى الحسين فأذن له عبيد الله ، وهذا نص رسالته : ( ارجع بأهلك ولا يغرنّك أهل الكوفة فإن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لكاذب رأي ).
ثم أمر عبيد الله بقتل مسلم بن عقيل وذلك في يوم عرفة ، وكان مسلم بن عقيل قبل ذلك قد أرسل إلى الحسين أن اقدم ، فخرج الحسين من مكة يوم التروية وحاول منعه كثير من الصحابة ونصحوه بعدم الخروج مثل ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وابن عمرو وأخيه محمد بن الحنفية وغيرهم وقال عبد الله بن الزبير له : " أين تذهب؟ إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك؟ " .
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : "عجّل الحسين قدره، والله لو أدركته ما تركته يخرج إلا أن يغلبني".
لكن الحسين رضي الله عنه أبى قائلا:
" إنّي ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنّما خرجت لطلب الاِصلاح في أُمّة جدي ".
وأثناء سير الحسين رضي الله عنه في طريقه إلى العراق بلغه خبر مقتل ابن عمه مسلم ، فأثناه ذلك ، واعتزم العودة إلى مكة ، لكن إخوة مسلم قالوا: "والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نُقتَلَ" ، فقال: "لا خير في الحياة بعدكم".
فجمع أنصاره ومن أنضم إليه في طريقه من العرب فخطب فيهم وأبلغهم بما جرى لمسلم وقال لهم: لقد خذلنا أنصارنا فمن أحب منكم أن ينصرف فلينصرف ليس عليه منا ذمام ، فتفرقوا يمنياً وشمالاً ولم يبق معه إلا أهله واصحابه المخلصون الذين جاؤوا معه من المدينة ونفر يسير ممن أنضموا إليه في الطريق.
عندما أشرف الحسينُ بن علي على العراق ، رأى طليعة لابن زياد ، وكان قوام هذه الطليعة ألف فارس بقيادة الحر بن يزيد التميمي ، فقال لهم الحسين رضي الله عنه :
"أيها الناس ، إنها معذرة إلى الله وإليكم، إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم ورسلكم أنِ اقْدِمْ علينا، فليس لنا إمام، لعل الله أن يجعلنا بكم على الهدى؛ فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم أقدم مصركم، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلنا منه" . فلم يجيبوه بشيء في ذلك ، ثم قال له الحر: إنا أُمِرْنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد.
فقال الحسين: الموت أدنى إليك من ذلك.
ثم أمر أصحابه فركبوا لينصرفوا ، فمنعهم الحر من ذلك ، حتى أتى الجيش الذي أرسله عبيد الله بن زياد وعدته أربعة آلاف فارس ، والتقوا في كربلاء جنوبي بغداد.
وعندما التقوا خيَّرهم الحسينُ بين ثلاث فقال: "إما أن تَدَعُوني فأنصرف من حيث جئت ، وإما أن تدعوني فأذهب إلى يزيد ، وإما أن تدعوني فألحق بالثغور".
وكان أمير الجيش عمر بن سعد بن أبي وقاص، وعندما سمع عمر بن سعد كلام الحسين استحسنه ، وأرسل إلى ابن زياد بذلك يحسِّن له أن يختار أحد الاقتراحات الثلاثة، وكاد عبيد الله أن يقبل لولا أن شِمْر بن ذي الجَوْشن (وهو من الطغاة أصحاب الفتن) قال له: "لئن رحل من بلادك، ولم يضع يده في يدكم، ليكوننَّ أولى بالقوة والعز، ولتكوننَّ أولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هذه المنزلة ، فإنها من الوهن، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه، فإن عاقبت فأنت ولي العقوبة، وإن غفرت كان ذلك لك".
وقد استثار شمر بكلامه هذا ابن زياد، فهو جبار لا يقبل أن يوصف بالوهن والضعف، فوافق على كلام شمر.
كان عدد الذين مع الحسين اثنين وسبعين فارسا، وجيش الكوفة خمسة آلاف، ولـما تواقف الفريقان قال الحسين لجيش ابن زياد: راجعوا أنفسكم وحاسبوها، هل يصلح لكم قتال مثلي؟ وأنا ابن بنت نبيكم ، وليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيري، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لي ولأخي: « هذان سيدا شباب أهل الجنة »..
وصار يحثهم على ترك أمر عبيد الله بن زياد والانضمام إليه فانضم للحسين منهم ثلاثون ، فيهم الحر بن يزيد التميمي الذي كان قائد مقدمة جيش عبيد الله بن زياد.
فقيل للحر بن يزيد: أنت جئت معنا أمير الـمقدمة والآن تذهب إلى الحسين؟!
فقال: ويحكم والله إني أخير نفسي بين الـجنة والنار، والله لا أختار على الجنة ولو قطعت وأحرقت.
بعد ذلك صلى الحسين الظهر والعصر من يوم الخميس، صلى بالفريقين بجيش عبيد الله بن زياد وبالذين معه، وكان قال لهم: منكم إمام ومنا إمام.
قالوا: لا ، بل نصلي خلفك.
فصلوا خلف الحسين الظهر والعصر، فلـما قرب وقت الـمغرب تقدموا بخيولهم نحو الحسين ، وكان الحسين محتبيا بسيفه فلـما رآهم وكان قد نام قليلا قال: ما هذا؟!
قالوا: إنهم تقدموا
فقال: اذهبوا إليهم فكلموهم وقولوا لهم ماذا يريدون؟
فذهب عشرون فارسا منهم العباس بن علي بن أبي طالب أخو الحسين فكلموهم وسألوهم ، قالوا: إما أن ينزل على حكم عبيد الله بن زياد وإما أن يقاتل.
قالوا: حتى نخبر أبا عبد الله ، فرجعوا إلى الحسين رضي الله عنه وأخبروه ، فقال: قولوا لهم: أمهلونا هذه الليلة وغدا نخبركم حتى أصلي لربي فإني أحب أن أصلي لربي تبارك وتعالى ، فبات ليلته تلك يصلي لله تبارك وتعالى ويستغفره ويدعو الله تبارك وتعالى هو ومن معه رضي الله عنهم أجمعين.
في صباح يوم الجمعة شب القتال بين الفريقين لـما رفض الحسين أن يستأسر لعبيد الله بن زياد ، وكانت الكفتان غير متكافئتين، فرأى أصحاب الحسين أنهم لا طاقة لهم بهذا الجيش، فصار همهم الوحيد الـموت بين يدي الحسين بن علي رضي الله عنهما، فأصبحوا يموتون بين يدي الحسين رضي الله عنه الواحد تلو الآخر حتى فنوا جميعا ولم يبق منهم أحد إلا الحسين بن علي رضي الله عنه ، وولده علي بن الحسين كان مريضا.
وبقي الحسين بعد ذلك نهارا طويلا، لا يقدم عليه أحد حتى يرجع لا يريد أن يبتلى بقتله رضي الله عنه، واستمر هذا الأمر حتى جاء "شمر بن ذي الجوشن" فصاح بالناس ويحكم ثكلتكم أمهاتكم أحيطوا به واقتلوه ، فجاءوا وحاصروا الحسين بن علي فصار يجول بينهم بالسيف كالاسد الهصور رضي الله عنه فقتل منهم من قتل ، ولكن الكثرة تغلب الشجاعة.
وصاح بهم شمر: ويحكم ماذا تنتظرون؟! أقدموا.
فتقدموا إلى الحسين فقتلوه رضي الله عنه، والذي باشر قتل الحسين "سنان بن أنس النخعي" ، وحز رأسه رضي الله عنه وقيل: شمر بن ذي الجوشن.
وأما قصة منع الماء وأنه مات عطشاناً وغير ذلك من الزيادات التي إنما تذكر لدغدغة المشاعر فلا يثبت منها شيء ، وما ثبت يغني .
ولا شك أنها قصة محزنة مؤلمة، وخاب وخسر من شارك في قتل الحسين ومن معه وباء بغضب من ربه . وللشهيد السعيد ومن معه الرحمة والرضوان من الله ومنا الدعاء و الترضي.
======================================
المصادر :
1 / منهاج السنة النبوية : لشيخ الإسلام ابن تيمية
2 / البداية والنهاية : بن كثير
3 / المنتظم في تاريخ الملوك والأمم : بن الجوزي
4 / تاريخ الرسل والملوك : الطبري
5 / الكامل في التاريخ : بن الأثير
6 / العواصم من القواصم : أبي بكر بن العربي
7 / تاريخ الخلفاء : السيوطي
8 / موقع قصة الاسلام : د/ راغب السرجاني