كان الموقفُ العسكري للجبهة الإسلامية في العراق عند مغادرة القائد العام للجيوش الإسلامية خالد بن الوليد رضي الله عنه خطيرًا للغاية , فقد كانت قوات خليفته المثني بن حارثة رضي الله عنه قليلةَ بالنسبة لقوات فارس , وكانت خطوطُ مواصلاته بعيدةَ بالنسبة لخطوط مواصلات الفرس , أمَا المشاكلُ الداخلية في بلاد الفرس , قد أصبحت أقلَ من السابق بعد اتفاق الفرس علي رفع شهر براز بن أزدشير إلي العرش الفارسي , فلمَا اطمأنَ الأمر له , كان إجلاءُ القوات الإسلامية أوَل ما استقرَ عليه عزمه .
ولعلَ شعور خالد بخطورة الموقف في العراق , هو الذي دفعه إلي ترحيل النساء والصبيان والضعفاء من الرجال إلي عاصمة الخلافة المدينة المنورة , قبل سفره إلي الشام , وبلغ المثني أنباءُ حشد فارس لمهاجمة قواته , فسار حتى بلغ بابل , وانتظر هناك عشرة آلاف مقاتل فارسي يقودهم هرمز جاذويه .
ولما التقى الجمعان , أقبل هرمز بجحافله , يتقدمُهم الفيل الأعظم , الذي كانوا يحتفظون به لكبريات المعارك , وكان جلُ اعتماد الفرس لتمزيق صفوف المسلمين علي هذا الفيل المدرَب علي القتال , وبدأت المعركة عنيفة قاسية شديدةَ , وطفق ذلك الحيوان الرَهيب المدرب , يضربُ جُنود المسلمين بخُرطُومه الطويل الغليظ يمنة ويسرة , وكان لا يقف في وجهه شيءٌ , فوجلت منه قلوب المسلمين , ونفرت من رؤيته خيولهم , وتصدع بسبه نظامُهُم .
خشي المثني أن يكون لمساندة هذا الفيل لجيش فارس تأثيرٌ سيَئٌ خطير علي جند الإسلام , وأدرك أنَ النصر محال , ما دام هذا الحيوان الجبَار يفْتك بجنوده ذلك الفتك الذريع , فسارع المثني مع فئة من المغاوير إلي الفيل , وحمل علي العسكر المحيطين به حملة صادقةَ , زلزلت أقدامهمْ وكشفتهُم عنه .
ثم عجله بطعنة نجْلاءّ من رُمحه , فأصابتْ منهُ مقتلاَ , وأتبعها بطعنات أُخريات مُميتات , فما لبث أنْ خرَ الفيل صريعًا علي الأرض سيبح بدمائه , ولم يكد الفيلُ يقع علي الأرض حتى جزع الفرس جزعًا شديدًا , ثم تحول جزعُهم إلي هزيمة كاملة , , فعلا تكبيرُ المسلمين وتهليلهم , وتدفقوا علي ساحة القتال تدفُق السيل الجارف , وأعملوا رماحهم وسيوفهُم في نحور الأعداء .
واستطاع المسلمون أن يُبيدوا المشاة عن آخرهم , أمَا الفرسان من الفرس فقد أركضوا خيلهم هاربين , فطاردهم فرسان المسلمين , فصاروا يأسرون ويقتلون من يقدرون عليه , وطالت مطاردةُ المثني لهم , حتى وصل مطاردتهم أبواب عاصمتهم المدائن , وفرَ هرمز من الميدان , وشاع خبر موت الملك شهر براز في أثناء هزيمة الفرس , فزادهم خبالاً علي خبال .
=======================================
المصادر :
- تاريخ الطبري
- الكامل في التاريخ