بعد إستشهاد الخليفة عثمان رضي الله عنه سارع الصحابةُ إلى علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه وقالوا له: أنت أحق الناس بهذا الأمر فامدد يدك نبايعك. وكان علي رضي الله عنه كارها للخلافة في البداية واقترح أن يكون وزيرا أو مستشارا إلا أن بعض الصحابة حاولوا إقناعه. ووافق في النهاية.
في تلك الفترة كان على المدينة أمير أهل الفتنة الغافقي بن حرب ، وقد سارع المتمردون من أهل مصر إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقولون له: نبايعك على الإمارة.
فسبّهم ، ولعنهم ، ورفض ذلك وطردهم ، وذهب إلى حائط بستان من حيطان المدينة ، وذهب المتمردون من أهل الكوفة إلى الزبير بن العوام رضي الله عنه وأرضاه، وطلبوا منه أن يكون أميرًا، ففعل معهم مثل ما فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذهب كذلك أهل البصرة إلى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه وأرضاه وطلبوا أن يكون أميرًا، فرفض ذلك وردهم، وتحيّـر أهل الفتنة فيمن يتولّى خلافة المسلمين، وحتى هذه اللحظة لم يفكّر المتمردون في تولية أحدهم أميرًا على المسلمين، وإنما جعلوا الغافقي أميرهم أميرًا على المدينة إلى أن يتم اختيار الأمير، وكان يصلّى خلفه المتمردون، وأهل المدينة، واستمر الحال على هذا الأمر خمسة أيام.
وسارع الصحابةُ رضوان الله عليهم إلى علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه وقالوا له: أنت أحق الناس بهذا الأمر فامدد يدك نبايعك.
ورفض علي رضي الله عنه هذا الأمر وازدادت حيرة أهل الفتنة ، فذهبوا إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فرفض هذا الأمر تمامًا ، فقالوا له: أنت ممن رضي عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهم عمر، ولكنه رضي الله عنه رفض.
فذهبوا إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فرفض أيضًا، فرجعوا مرة أخرى إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال الصحابة رضوان الله عليهم لعلي رضي الله عنه: إن لم تكن أميرًا، فسوف يجعلون الأمير منهم، يعني أهل الفتنة، فاجتمع على علي رضي الله عنه بعض الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا ، وبعض أهل الفتنة ، وطلبوا منه أن يكون الأمير، وكان أول من بايعه الأشتر النخعي، وكان ممن خرج مع أهل الفتنة من الكوفة.
ومع هذا الضغط المتزايد على عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه قَبِل بالأمر، لكنه اشترط أولًا أن يبايعه بدايةً طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام رضي الله عنهما؛ لأنه خشِي إن وُلّي الأمر أن ينقلب أهل الكوفة، أو البصرة، ويطلبون طلحة، أو الزبير رضي الله عنهما ليكون أميرًا، ويحدثون فتنة أخرى، فذهبوا إلى طلحة، والزبير رضي الله عنهما فقالا : دمُ عثمان أولًا.
وبعد جدال ونقاش وأنه لا بدّ من تولية أحد حتى لا تتسع الفتنة أكثر من ذلك فوافقا على البيعة.
ووصلت الأخبار إلى الصحابة وأمهات المؤمنين في مكة .. فانقسم الصحابة إلى أربع فرق :
1- الفريق الأول :
فريق الخليفة علي بن ابي طالب (رضي الله عنه) : ويري تأجيل تنفيذ القصاص من قتلة عثمان حتى تستقر الأمور في المدينة.
حيث خاف الخليفة على (رضي الله عنه) أن تتفكك الدولة الإسلامية ويصبح كل أمير على مصر من الأمصار، وتبدأ الثورات والإنقسامات, فرأى أن يصبر إلى أن تدين له كل أطراف الدولة الإسلامية ، ويستقر الحكم ، وتهدأ الفتن ، ثم يعاقب كلًا بما يستحق.
2- الفريق الثاني :
وهو الذي بايع عليا رضي الله عنه, ورأي أنه يجب القصاص السريع من قتلة عثمان رضي الله, ويضم السيدة عائشة، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام وجماعة من الصحابة.
3- الفريق الثالث :
فريق معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه والي الشام وولي دم عثمان ، والذي رأى أن لا يبايع قبل الثأر لعثمان رضي الله عنه, وكان فيهم الكثير من الصحابة، كأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، وعمرو بن العاص وغيرهم رضي الله عنهم.
4- الفريق الرابع :
إعتزل الجميع, كسعد بن أبي وقاص, وعبدالله بن عباس والكثير (رضي الله عنهم).
أما الخوارج الذين قتلوا عثمان رضي الله عنه, فأنهم قد تفرقوا وقد إختلط الكثير منهم بجيش علي (رضي الله عنه)
وكان قادتهم ورؤوسهم ، هم الغافقي بن حرب المصري وكان أميرهم، وابن السوداء عبدالله بن سبأ, وكنانة بن بشر التجيبي، وسودان بن حمران، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وحكيم بن جبلة البصري، ومالك بن الحارث....
أقر علي رضي الله عنه عثمان بن حنيف أميرًا على البصرة, وعلى مصر قيس بن سعد ، وأبا موسى الأشعري على إمارة الكوفة.
أما ولاة عثمان رضي الله عنه, فمنهم من عاد إلى مكة, ومنهم من ذهب إلى معاوية في الشام.
ولم يبقى غير الشام , فقد أرسل علي رضي الله عنه ثلاث رسائل إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه يطالبه فيها بمبايعته ، ولكن معاوية رد عليه قائلا: "دم عثمان قبل المبايعة. تأخذه أنت، وإن لم تستطع أخذناه نحن."
رفض ذلك علي رضي الله عنه، فقد دانت له جميع الأمصار, إلا الشام وإعتبر أن معاوية خارجٌ عن الولاية، ومن خرج يُقاتَل بمن أطاع.
فقرر رضي الله عنه أن يجمع الجيوش، ويتوجه بها إلى الشام، وإن لم يبايع معاوية رضي الله عنه يُقاتَل، ورأى أن هذا الاجتهاد هو الصحيح في مثل هذه الموقف.
وبينما علي رضي الله عنه خارج بجيشه من المدينة متوجهًا إلى الشام حدث في مكة أمر لم يكن متوقعًا فغيّر علي رضي الله عنه من خطته بالكلية .!!
وهو خروج السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم جميعًا، وجمع كبير من الصحابة (جميعهم قد بايعوا علي رضي الله عنه) ولكنهم رأوا أن هناك أولوية لأخذ الثأر لعثمان رضي الله عنه، وأنه لا يصح أن يؤجل هذا الأمر بأي حال من الأحوال, وقد أتجهوا إلى "الكوفة" العاصمة الجديدة التي إنتقل إليها الخليفة علي (رضي الله عنه).
فتوجه علي (رضي الله عنه) بالجيش ليستقبلهم في البصرة ، وكان هذا الأمر مقدمةً لموقعة الجمل.
======================================
المصادر :
1 / منهاج السنة النبوية : لشيخ الإسلام ابن تيمية
2 / البداية والنهاية : بن كثير
3 / المنتظم في تاريخ الملوك والأمم : بن الجوزي
4 / تاريخ الرسل والملوك : الطبري
5 / الكامل في التاريخ : بن الأثير
6 / العواصم من القواصم : أبي بكر بن العربي
7 / تاريخ الخلفاء : السيوطي
8 / موقع قصة الاسلام : د/ راغب السرجاني