هذا الأمر من الأهمية بمكان حيث إنه يُذكر بصورة مشوهة في كتب الشيعة، ويشيرون إلى أن الصحابة رضي الله عنهم قد سعدوا بمقتل عثمان رضي الله عنه؛ لأنه كان مخالفًا لما هم عليه، وكانوا يعارضون استمراره في الحكم، ومثل هذه الأكاذيب والأغاليط.
علم الصحابة رضي الله عنهم بهذا الأمر، وعلموا أمرًا آخر عجيباً ، فالقتلة بعدما فعلوا هذه الجريمة النكراء، فعلوا كما فعل أصحاب موسى عليه السلام لما عبدوا العجل، فقد ندموا على هذا أشد الندم ، ويخبر الله عز وجل عن أصحاب موسى في كتابه الكريم قال تعالى: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ} [الأعراف:149].
فهؤلاء القتلة بعد أن شاهد كثيرٌ منهم الدماء، وشاهدوا عثمان بن عفان رضي الله عنه طريحاً على الأرض شعروا بجرمهم وبسوء ما فعلوا، فندموا على ذلك، ونُقل إلى الصحابة رضي الله عنهم هذا الأمر، فقال الزبير بن العوام رضي الله عنه: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم ترحّم على عثمان، وبلغه أن الذين قتلوه ندموا ، فقال: تبًّا لهم.
ثم تلا قوله تعالى {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُون} [يس: 49، 50].
ولما بلغ علي رضي الله عنه هذا الخبر ، وقيل: كان بحضرة علي بن أبي طالب رضي الله عنه حينما بلغه هذا الخبر، الحسن ، والحسين ، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله ، فلطمَ الحسينَ ، وضرب الحسنَ في صدره ، وسبَّ عبد الله بن الزبير، ومحمد بن طلحة ، وقال لهم: كيف يُقتل، وهو بين أيديكم؟!
ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان.
ثم قالوا له: إنهم قد ندموا على ما فعلوا.
فقال لهم: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ} [الحشر:16].
ولما بلغ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أمْر قتل عثمان رضي الله عنه استغفر له وترحم عليه، وتلا في حق الذين قتلوه: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعً} [الكهف:103، 104].
ثم قال سعد: اللهم اندمهم ثم خذهم ، ودعوته رضي الله عنه مستجابه لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم له أن يكون مستجاب الدعوة.
واستجاب الله عز وجل لدعوته ، فقد أقسم بعض السلف بالله ، إنه ما مات أحد من قتلةِ عثمان إلا مقتولا، وتأخر بعض هؤلاء القتلة إلى زمن الحجاج ، وقُتل على يده، ولم يفلت أحد منهم من القتل، وباءوا بشَرَّيْ الدنيا والآخرة.
خبر مقتل عثمان يصل الى الشام :
بعد دفن عثمان رضي الله عنه أرسلت زوجته نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية بن أبي سفيان والي الشام بكتاب مرفق معه قميص عثمان ممزقًا مليئًا بالدماء ، وعقدت في زر القميص خصلة من شعر لحيته ، قطعها أحد قاتليه من ذقنه، وخمسة أصابع من أصابعها المقطوعة ، وأعطت كل ذلك للنعمان بن بشير رضي الله عنه ، وقالت له: خذهم إلى معاوية بن أبي سفيان فهو وليه.
وحمل النعمان بن بشير رضي الله عنه هذه الأمانات إلى معاوية رضي الله عنه ، فلما وصلت الى معاوية علّقها على المنبر في المسجد ، وبكى وأقسم أن ينتقم، وأن يثأر له ،
ووافقه أهل الشام جميعًا على ذلك ، وكان فيهم الكثير من الصحابة ، كأبي الدرداء ، وعبادة بن الصامت ، وغيرهم رضي الله عنهم جميعًا.
وكان أبو الدرداء قاضي الشام ومن أعلم أهلها ، وأفتى رضي الله عنه بوجوب أخذ الثأر من قتلة عثمان رضي الله عنه ،
و اجتمع خمسون ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان وأصابعها عازمين جميعهم على الأخذ بالثأر من قتلة عثمان.
السيدة عائشة وزوجات النبي :
ووصل هذا الخبر إلى السيدة عائشة رضي الله عنها ، وأرضاها ، وكانت في مكة هي وجميع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم للحج ، وكُنّ في طريقهن إلى المدينة عائدات من الحج حين بلغهم مقتل عثمان رضي الله عنه، فرجعن إلى مكة مرة أخرى ، ولما علمت السيدة عائشة رضي الله عنها بمقتل عثمان رضي الله عنه قالت : " تركتموه كالثوب النقي من الدنس، ثم قربتموه، ثم ذبحتموه كما يذبح الكبش؟ ".
فقال لها مسروق وهو من كبار التابعين: هذا عملكِ ، أنت كتبت إلى الناس تأمريهم أن يخرجوا إليه.
فقالت: لا والذي آمن به المؤمنون، وكفر به الكافرون، ما كتبت لهم سوداء في بيضاء حتى جلست مجلسي هذا.
وصدقت رضي الله عنها وأرضاها فيما قالت.
قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كُتب على لسانها.
وكما ذكرنا أن رءوس الفتنة كانوا يُزَوّرون الخطابات التي تسيء إلى عثمان رضي الله عنه، وينسبونها إلى الصحابة كذبًا، وافتراءً، حتى يؤججوا نار الفتنة، ويصلوا إلى ما يريدون.
وبعد أن رجع أمهات المؤمنين إلى مكة انتظرن إلى أن يرين ما تصير إليه الأمور.
الصحابة يدفنون عثمان رضي الله عنه :
لما قتل عثمان رضي الله عنه في هذا اليوم (الجمعة 18 من ذي الحجة 35 هـ) قبل صلاة المغرب ، تقدم مجموعة من الصحابة إلى بيته وصلوا عليه في بيته بين المغرب والعشاء، وهذا على أصح الأقوال.
وحمله الصحابة رضوان الله عليهم جميعا إلى مكان خارج المدينة يُسمى (حش كوكب) وهو غير المكان الذي يَدفن فيه أهل المدينة موتاهم ، وقد ذهب به الصحابة رضوان الله عليهم إلى هذا المكان ، لأنهم كانوا يخشون عليه من أهل الفتنة أن يخرجوه جسده ، ويمثّلوا به ، أو أن يقطعوا رأسه رضي الله عنه كما حاولوا ذلك بعد قتله.
ويروى الإمام مالك رضي الله عنه أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه عندما كان يمرّ على هذا المكان وهو حي ( حش كوكب ) كان يقول: يُدفن هاهنا رجل صالح.
فغسلوه رضي الله عنه، وكفنوه وصلوا عليه ، وفي بعض الروايات أنهم لم يغسلوه ، وصلى عليه أحد الصحابة ، إما أبو هريرة ، وإما المسوّر بن مخرمة وقيل غيرهما.
وبعد أن دُفن رضي الله عنه ، حمل الصحابةُ رضي الله عنهم الغلامين اللذين قُتلا في بيته رضي الله عنه، ودفنوهما بجواره رضي الله عنهم جميعًا.
======================================
المصادر :
1 / منهاج السنة النبوية : لشيخ الإسلام ابن تيمية
2 / البداية والنهاية : بن كثير
3 / المنتظم في تاريخ الملوك والأمم : بن الجوزي
4 / تاريخ الرسل والملوك : الطبري
5 / الكامل في التاريخ : بن الأثير
6 / العواصم من القواصم : أبي بكر بن العربي
7 / تاريخ الخلفاء : السيوطي
8 / موقع قصة الاسلام : د/ راغب السرجاني