ما بين سنة 30 إلى 31 هـ ، ظهر في اليمن عبد الله بن سبأ ، وكانت أمه جارية سوداء ، ومن ثَمّ لُقّب بابن السوداء ، وكان يهوديًا ، وعاش في اليمن فترة طويلة ، وكانت اليمن قبل الإسلام مقاطعة فارسية ، فتعلّم عبد الله بن سبأ الكثير عن المجوسية ، وأراد هذا اليهودي أن يطعن في الإسلام والمسلمين .
بدأ بالتفكير في عمل هذه الفتنة ، فدخل في الإسلام ظاهراً في بداية عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وبدأ يتنقل في البلاد حتى ينشر بعض الأفكار السامّة ، والطاعنة في الإسلام ، فذهب إلى الحجاز ، ولما لم يجد صدى كافياً انطلق إلى العراق ، فذهب إلى البصرة ، وكانت موطنًا للفتن ، ووقع هناك على رجل يُسمّى "حكيم بن جبلة" ، وكان من المسلمين، ولكنه كان لصاً يغير على أهل الذمة ، وقد حدد الخليفة إقامته بألا ينتقل من البصرة ، فقد كان رجلًا سيئ الخلق، وبدأ ابن سبأ يلقي في روعه بعض الأفكار الجديدة على الإسلام ، والمقتبسة من اليهودية ، والمجوسية ، وخرجت عقائد الشيعة من هذه الأفكار التي جاء بها عبد الله بن سبأ، وقد انقسم الشيعة إلى فرق كثيرة ، فمنهم من أخذ من عبد الله بن سبأ كل ما قاله ، ومنهم من أخذ منه البعض ، ومنهم من أخذ القليل منه ، ولكن على العموم فالشيعة جميعا أخذوا من هذه الأفكار.
تبعه "حكيم بن جبلة" وبعض من قبيلته ، وبعض من أصدقائه ، وكان كل هذا الأمر يدور سراً ، فهو لا يجرؤ على الجهر به ابتداءً ، ثم انتقل من البصرة إلى الكوفة ، وهي موطن للفتن والثورات أيضًا ، واستجاب له من أهل الكوفة أفراد كثيرون ، ولكن سراً ، ومنهم على سبيل المثال "الأشتر النخعي" ، وهذا أمر غريب ، فقد كان الأشتر من المجاهدين في اليرموك ، والمواقع التي جاءت بعدها ، ولكن الله تعالى يثبّت من يشاء ، وقد استجاب الأشتر لابن سبأ إما عن جهلٍ ، وإما عن رغبةٍ في الرئاسة أو غير ذلكو، وكان الأشتر ذو مكانة ورأي في قومه ، وبدأ يدعو الناس إلى ما هو عليه من أفكار.
ويفسر بعض المؤرخين سبب انضمام الأشتر إلى أصحاب الفتنة بتفسيرين يناقض كل منهما الآخر :
فالأول :
أنه كان من المغالين المتشددين في الدين ، ويبالغ في بعض الأمور التي كان يظن أنها خطأ ، ومن ثَمّ يتشدد لها .
والأمر الثاني :
أنه كان محبًا للرئاسة والسيطرة ، وقام بالمشاركة في هذه الفتنة حتى يُمكّن له ويصل إلى ما يريد.
انتقل ابنُ سبأ إلى مصر ، ووجد في مصر مناخاً مناسباً لأفكاره ، لأن معظم المجاهدين خرجوا إلى الفتوحات في ليبيا ، وآخرين في السودان ومن كان موجودًا إنما هم قلة من المسلمين ، فاستطاع ابن سبأ أن يجمع حوله قلة من الناس، واستقرّ في مصر ، ولم يكن استقراره أمرًا مقصودًا، لكنه كان بطبيعته يستقرّ في كل بلد ينزل فيها مدة ، ثم يغادرها إلى غيرها ، فلما كان بمصر كان قد قرب عهد الفتنة فخرج من مصر.
أفكار ابن سبأ :
كانت أفكار ابن سبأ تهدف لهدم الإسلام ، وتشكيك المسلمين في دينهم ومن هذه الأفكار :
1- القول بعقيدة الرجعة :
وهي من الثوابت عند الشيعة ، وأصلها في المجوسية ، وقد وُجدت في اليهودية افتراءً على الله تعالى ، فاليهود يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ، وقال لهم ابنُ سبأ : (إذا كان عيسى بن مريم سيرجع فكيف لا يرجع محمد صلى الله عليه وسلم ، فمحمد صلى الله عليه وسلم سيرجع) وتمادى الشيعة في الأمر ، وقالوا ليس محمدًا فحسب بل علي بن أبي طالب وغيره.
لكن أصل هذه العقيدة كما نرى نابعة من المجوسية، ومن افتراء اليهود وكذبهم، وكان ابن سبأ يخاطب الجهّال فيصدقونه، وقد سأله البعض عن دليلٍ على رجعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقال: يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص:85].
وقال إن هذا المعاد في الدنيا ، فخدع به بعض الجهال.
2- عقيدة الوصاية :
قال ابن سبأ : إن أمر النبوة منذ آدم حتى محمد صلى الله عليه وسلم بالوصاية ، أي أن كل نبي يوصي للنبي الذي بعده (وهذا تخريف منه وتحريف) وكان هناك ألف نبي وكل منهم أوصى لمن بعده ، فهل يأتي محمد صلى الله عليه وسلم وهو خاتم الأنبياء ، ولا يوصي بالأمر من بعده لأحد ، إذن أوصى محمد صلى الله عليه وسلم إلى أحد الناس ، هذا في البداية، ثم بدأ في البحث عن رجل إذا تكلم عنه أمام الناس يخجل الناس أن يردوا كلامه.
فقال: إن محمدا صلى الله عليه وسلم أوصى بالأمر لعلي وقد علمت ذلك منه ، ووضع حديثا في ذلك يقول - افتراءا على الرسول صلى الله عليه وسلم- : أنا خاتم الأنبياء ، وعلي خاتم الأوصياء .. أو الأولياء.
ومن هنا ظهرت عقيدة الوصاية.
ثم قال ابن سبأ لأتباعه : اطعنوا في الأمراء ، وبدأ يراسل أهل الأمصار بسلبيات افتراها على الأمراء الذين ولاهم عثمان رضي الله عنه ، من أمثال عبد الله بن أبي سرح ، والوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص ، وعبد الله بن عامر.
وقال لأتباعه : إذا قمتم بالدعوة إلى هذا الأمر في الناس فقولوا : إنا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ، حتى لا ينكر قولكم.
======================================
المصادر :
1 / منهاج السنة النبوية : لشيخ الإسلام ابن تيمية
2 / البداية والنهاية : بن كثير
3 / المنتظم في تاريخ الملوك والأمم : بن الجوزي
4 / تاريخ الرسل والملوك : الطبري
5 / الكامل في التاريخ : بن الأثير
6 / العواصم من القواصم : أبي بكر بن العربي
7 / تاريخ الخلفاء : السيوطي
8 / موقع قصة الاسلام : د/ راغب السرجاني