كان بنو إسرائيل يغتسلون عُراة ينظر بعضهم إلى عورة بعض دون حياء ، وكان "موسى عليه السلام" على عكس هؤلاء القوم ، إذ كان رجلاً حيياً ستيراً لا يُرى من جلده شيء ، فكان أشد حياء من العذراء في خدرها ، لذا كان يغتسل دائما وحده حتى لا يراه أحد .
فقال بنو إسرائيل : " إن موسى لا يستتر هذا التستر إلا من عيب في جلده ، إما برص وإما أدرة معنه (إنتفاخ في خصيته) وإما آفة من الآفات قد آصابته " ..!!
فأراد الله تعالى أن يبرئ نبيه من تهمتهم ويدفع عنه أذاهم مما قذفوه به ، فخلا موسى عليه السلام يوما وحده ليغتسل كما هي عادته ، فخلع ثوبه و وضعه على حجر ، ثم شرع في الإغتسال ، وما إن فرغ من غُسله و توجه ناحية الحجر ليأخذ ثوبه ، إذ بالحجر يعدو بثوبه و يفر به ..!!
وعندما أذهلت المفاجأة سيدنا موسى أخذ يعدوا وراء الحجر و يناديه قائلا : " ثوبي يا حجر ..!! ثوبي يا حجر ..!! " ، والحجر يعدوا بثوبه ، و موسى النبي الستير يجري عريانا وراء حجر طائر بثيابه ، حتى إذا بلغ الحجر إلى جمع غفير من بني إسرائيل توقف ، لكي يرى هذا الجمع سيدنا موسى وهو عريان على أحسن ما خلق الله ، فبرأه الله مما قالوا ، عندها أخذ موسى عليه السلام ثيابه و لبسها ، ثم أخذ عصاه و أقبل على الحجر يُأدبه ، فلما فعل الحجر فعل من يعقل عامله موسى معاملة من يعقل ، فعاقبه على فعله ذاك بأن ضربه حتى أثر الضرب فيه ، وما تركه حتى أحدث به ستة أو سبعة ندبات.
فذلك قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا } (الأحزاب: 69)
وعن أبي هريرة عن النبي صل الله عليه وسلم قال :
« كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ، ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده ، فقالوا والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر ، فذهب مرة يغتسل ، فوضع ثوبه على حجر ، ففر الحجر بثوبه ، فخرج موسى في إثره يقول ثوبي يا حجر ، ثوبي يا حجر ، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى فقالوا والله ما بموسى من بأس ، فأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضرباً » .. فقال أبو هريرة : والله إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة ضرباً بالحجر . (اخرجه البخاري ومسلم).
الضرورة في الحديث السابق هو إزالة الظلم بالأخف ضرراً :
1 - بنو إسرائيل معلوم عنهم أنهم لا يُصدقون شئ إلآ إذا رأوه جهرة فهم ماديون و لذلك كانت المعجزات فيهم حسية.
2 - قد يكون التعري في الحديث السابق لم يكن نزل فيه تشريع بتحريمه ، والدليل عليه أنهم كانوا يغتسلون عراة وموسى يراهم لا ينكر عليهم ولو كان حراما لأنكره.
يقول الله تعالى : {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } ( المائدة - 48 ) .
وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي ، فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراما ثم يحل في الشريعة الأخرى ، وبالعكس ، وخفيفًا فيزاد في الشدة في هذه دون هذه ، وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة ، والحجة الدامغة.
3 - التعري هنا إستثنائي فلم يكن أمر من الله أو تشريع بفعله على الدوام بل لرفع ظلم و إفتراء يراد به باطل و مكر ، وإنما مكنهم الله تعالى من النظر إليه لأجل الضرورة وهي دفع التهمة عنه ، فهذا نظير النظر إلى العورة للمداواة ، فهنا ضرورة أباحت محظور لسبب .
4 - من العلماء من رأى أنهم لم ينظروا إلى عورة موسى عليه السلام مكشوفة ، وإنما كان عليه مئزر ، وإنما علموا سلامته من العيب لأن المئزر يبدي ما تحته عند البلل.