الأفغان شعب معروف في التاريخ الإسلامي من الشعوب الآرية (أخوة الفرس والأكراد والطاجيك) ، وصفهم عدد كبير من المؤرخين بالقوة والبأس الشديد ، ومن بينهم الرحالة ابن بطوطة عند زيارته مدينة كابل وما جاورها.
يقول ابن بطوطة عن كابل :
"ثم سافرنا إلى كابل وكانت فيما سلف مدينة عظيمة، وبها الآن قرية يسكنها طائفة من الأعاجم يقال لهم الأفغان ، ولهم جبال وشعا ، وشوكة قوية ، وأكثرهم قطّاع الطريق ، وجبلهم الكبير يسمى كوه سليمان ، ويذكر أن نبي الله سليمان عليه السلام صعد ذلك الجبل ، فنظر إلى أرض الهند وهي مظلمة فرجع ولم يدخلها فسمي الجبل به ، وفيه يسكن ملك الأفغان".
وقد عرفت أفغانستان في التاريخ البعيد باسم (آريان) نسبة إلى الآريين، وتعني كلمة (آري) النبيل ، كما كانت تسمى أيضا بلاد الأفغان.
وتعتبر أفغانستان مهد الآريين الذين هاجروا إليها من سهول تركستان الغربية قبل الميلاد بنحو ألفي سنة ، ولو أن بعض المؤرخين يرجع تاريخ هجرتهم إلى أكثر من أربعة آلاف سنة، كما أنها كانت تعرف في عهد الساسانيين باسم (خرا سان) ومعنى خراسان: أرض الشمس.
وليس قصدنا هنا القص التاريخي ، فذلك أمر يطول بيانه ، وإنما سنتعرض للأيام الحاسمة التي سطعت فيها شمس الإسلام فوق ربوع أفغانستان ، وكيف انتقل الناس من عهد إلى عهد ، ومن طور إلى طور.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إن الله زوى لي الأرض ، فرأيت مشارقها ومغاربها ، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها…” (رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة).
من هذه المبشرات النبوية ، انطلق صحابة النبي صلى الله عليه وسلم يفتحون المشارق والمغارب ، يدفعهم في ذلك تحقيق بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ناحية ، وحب الجهاد والاستشهاد من ناحية ثانية، والرغبة في نشر تعاليم ذلك الدين بين أمم الأرض جميعا من ناحية ثالثة.
وكان من ضمن البلدان التي سعدت بالفتح الإسلامي “أفغانستان” التي تقع في قلب آسيا في منطقة بعيدة عن البحار، وتمتد على رقعة واسعة من الأرض تبلغ مساحتها 650.000 كيلو متر مربع ، تغطي المرتفعات والجبال أجزاء كثيرة منها.
الفتح الكبير :
تعتبر معركة نهاوند سنة 21هـ – 624م بقيادة "نعمان بن مقرن المزني" إحدى المعارك الحاسمة التي كانت بين المسلمين من جهة وبين الإمبراطورية الساسانية من جهة أخري، وقد كان لهذه المعركة الدور البارز والحاسم في فتح أبواب فارس والمشرق الإسلامي كله – ومنها أفغانستان – ولذلك أطلق المسلمون على هذه المعركة اسم : "فتح الفتوح".
ولا نستطيع أن نقول إن فتح بلاد أفغانستان كان من معركة واحدة أو بقيادة قائد واحد ، وإنما الحق الذي يقرره التاريخ أن بلاد أفغانستان فتحت على مراحل عدة على يد قادة كثيرين من قادة الفتح الإسلامي.
قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد معركة نهاوند الشهيرة ، بتجهيز سبعة ألوية لسبعة قادة ، عهد إليهم بالانسياح في المناطق الخاضعة للحكم الساساني والتي تحكم باسم حكام فارس ، وكان من بين هذه الجيوش جيشان اتجها نحو المنطقة التي تسمى اليوم أفغانستان :
- الأول : بقيادة الأحنف بن قيس التميمي ، وجهته (خراسان).
- والثاني : بقيادة عاصم بن عاصم التميمي ، ووجهته (سجستان).
أما فتح الأحنف لبلاد خراسان (أفغانستان وإيران وتركستان) ، فقد كان ذلك سنة 22 هـ - 642م ، وقد دخلها الأحنف عبر مدينة الطبسين ، فافتتح "هراة" عنوة واستخلف عليها، وسار بعدها نحو "مرو الشاهجان" ، فما كان من يزدجرد وهو في "مرو الروذ" إلا أن كتب إلى خاقان ملك الترك ، وإلى ملك الصغد وإلى ملك الصين يستمدهم.
ودارت معارك طاحنة بين المسلمين من جهة والتحالف الفارسي التركي من جهة أخري، وانتهى الأمر بهزيمة قوى التحالف واستتباب الأمر للمسلمين، وكتب الأحنف إلى عمر بن الخطاب يبشره بالفتح، وبعث إليه الأخماس.
وعلى الرغم من فرح عمر بن الخطاب بالفتح ، إلا أنه كان فرحا مشوبا بالحذر ، إذ أن رقعة الدولة الإسلامية اتسعت في بلاد المشرق حتى شملت أرض فارس كلها ، وقد طالت خطوط المواصلات كثيرا ، وتوزعت قوات المسلمين في أرجاء الشام ومصر والعراق وفارس ، وكان مما قاله عمر في ذلك : “ لوددت أني لم أكن بعثت إلى خراسان جنداً ، ولوددت أنه كان بيننا وبينها بحر من نار”.
ثم كتب إلى الأحنف ألا يتجاوز النهر إلى ما بعده.
أما فتح عاصم بن عاصم التميمي، فقد كانت وجهته سجستان (ولاية كبيرة تشمل اليوم منطقتي راجستان و سيستان) ، ومن مدنها قندهار وسجستان بذلك أعظم من خراسان وأبعد فروجا ، وعلى الرغم من ذلك استطاع عاصم أن يحقق النصر، ودخل ولاية سجستان، وبث جنده وسراياه، وفرض الحصار على من لم يستسلم منهم، إلى أن اضطروا إلى الصلح على أن تكون مزارع سجستان حمي لا يطؤها المسلمون، وبذلك فتحت ولاية سجستان ودخلت ضمن البلاد الإسلامية.
لم ينته الأمر عند هذا الحد ، ولم يستسلم أهالي تلك البلدان للفاتحين، وإنما كانت هناك مقاومات تعبوية انتهت باستعادة المغلوبين من أهل هذه البلدان لبلادهم ، وذلك في الأوقات التي انشغل الفاتحون فيها بالاضطرابات الداخلية والفتن المحلية.
وحينما استطاع الفاتحون القضاء على الاضطرابات والفتن الداخلية المحلية، استعادوا البلاد المفتوحة مرة أخري،
ولكن معارك الفتح هذه لم تكن سهلة التكاليف ، بل صادف المسلمون في كثير منها مقاومة شديدة ، وتكبدوا خسائر فادحة بالأرواح ، وجري فتح بعض المناطق والمدن عنوة.
وكان من نتائج معركة نهاوند أنها فتحت أبواب المشرق الإسلامي للفاتحين المسلمين ، كما فتحت معركة القادسية الحاسمة أبواب العراق ، وكما فتحت معركة اليرموك بلاد الشام.
وبعد معركة نهاوند الحاسمة توزعت القوات الإسلامية التي قاتلت موحدة في هذه المعركة تحت لواء واحد إلى سبعة ألوية ، بقيادة سبعة قادة ، لكل منهم هدف محدد ، ومهمة محددة.
وما ينبغي الإشارة إليه هو أن تغلغل المسلمين بعيداً عن قواعدهم ، وفي بلاد بعيدة غاية البعد عن بلادهم، وسط شعوب غريبة عليهم في طابعها ولغاتها وتقاليدها ، كان يعتبر مغامرة من أخطر المغامرات في تاريخ الفتوحات ، ومن الصعب تسويغ هذه المغامرة إلا بتسويغ العقيدة الإسلامية التي استسهلوا من أجلها كل صعب ، وتحملوا في سبيلها كل تضحية ، وتغلبوا على كل ما واجههم من عقبات وأهوال.
أما القول بأن البلدان المفتوحة إنهارت أمام الفاتحين المسلمين لضعف قواتها الضاربة ، فقول يعوزه الدليل التاريخي ، والدليل الواقعي .
فقد فتح الإسكندر هذه البلدان من قبل فأين هو فتحه؟! ، وماذا بقي من آثاره؟! ، وكم استمر في هذه البلاد؟!.
لقد كان فتح الإسكندر أشبه بسحابة صيف ؛ لأنه فتح قوة بطش ، ولذلك لم يدم ولم يطل ، أما فتح المسلمين فقد ظل مستديما حتى اليوم ، وسيبقي واضح المعالم بارز الأثر ما بقي التاريخ ؛ لأنه فتح مبادئ ، والمبادئ تبقي ، لأنها مستقاة من تعاليم القرآن والعقيدة الإسلامية.
وبالرغم من عناد البلاد المفتوحة وشدة بأسها ، وضراوة مقاومتها للفاتحين المسلمين ، إلا أنهم حينما اعتنقوا الإسلام ودخلوا في دين الله طواعية، حطموا الأوثان والأصنام ، ومضوا ينشرون دين الله في أرجاء أفغانستان والهند وما وراء النهر ، وحملوا مشاعله شرقا وغربا ، وأصبحوا عونا للفاتحين على أعدائهما ، بل وأصبحوا من أخلص دعاة الإسلام.
ولعل انتشار الإسلام بين أهالي هذه البلدان يفسر لنا سهولة عودة الفاتحين إلى البلاد التي سبق فتحها ، واستعادتها ثانية إلى حظيرة الدولة الإسلامية.
إن ما نستطيع قوله ويؤكده التاريخ هو أن تأثير الإسلام في الأفغان كان تأثيراً عميقاً ، فأصبحوا من المتمسكين بالإسلام وتعاليمه (ولا يزالون) فكانت أفغانستان من حصون الإسلام القوية في ماضيها وحاضرها ، وستبقي كذلك بإذن الله.
______________________________________________
المصدر : إسلام ويب
