هي واحدة من معارك الإسلام الكبرى في الأندلس، ولكنها لم تنل نفس شهرة الزلاقة أو الأرك وإن كانت لا تقل عنهما روعة، وتبدأ فصولها مع انتشار خبر مرض أمير المسلمين يوسف بن تاشفين وقرب وفاته، وهذا الأمر شجع الإسبان الصليبيين وملكهم العجوز ألفونسو السادس على استئناف غاراتهم المخربة ضد أراضي المسلمين، وكان الملك العجوز يضطرم برغبة عارمة للانتقام من هزيمته الثقيلة في الزلاقة قبل عشرين سنة، فهاجم الإسبان إشبيلية سنة 499هـ وعاثوا فيها فسادًا واستولوا على كثير من الأسرى والغنائم، وانشغل المسلمون عنهم بوفاة أمير المسلمين بعد ذلك بقليل.
وبعد وفاة يوسف بن تاشفين تولى مكانه ابنه الأمير علي بن يوسف والذي قرر تأديب الإسبان ، فأصدر أوامره لأخيه الأمير تميم قائد الجيوش المرابطية بالأندلس بالاستعداد لغزو أراضي قشتالة، فصدع الأمير تميم بالأمر وأعد جيوشًا كبيرة وضم إليه اثنين من أمهر قادة المرابطين، وهما محمد بن عائشة ومحمد بن فاطمة وتم تحديد الهدف الذي سيهاجمه المسلمون، وكان مدينة أقليش الحصينة، وهي من أمنع معاقل الإسبان في شمال جبال طليطلة وقد أنشأها في الأصل المسلمون، واستولى عليها الإسبان لما سقطت طليطلة في صفر سنة 478هـ.
وتحركت الجيوش المسلمة في أواخر رمضان سنة 501هـ، وتوجهت إلى أقليش فسقطت في أيديهم . و بعد أن دخل المرابطون المدينة، فر جند الحامية الإسبانية إلى حصن أقليش، وامتنعوا به، واستنجدوا بألفونسو السادس الذي لبى ندائهم بأن أرسل قوات يقودها قائده ألبار هانس صاحب التجربة الكبيرة والخبرة الواسعة في قتال المسلمين ، وأرسل معه ولده الوحيد وولي عهده سانشو وكان صبيًّا في الحادية عشرة وذلك ليثير حفيظة وعزيمة جنوده كنوع من الشحن المعنوي للحملة، وقد أرسل معه سبعة كونتات من أشراف قشتالة لحمايته ومشورته.
لم تمر سوى ساعات قلائل حتى وصل الجيش الإسباني وكان تعداده أضعاف الجيش الإسلامي، فهمّ الامير تميم بالانسحاب، لولا أن ثبّته محمد بن عائشة ومحمد بن فاطمة وشجّعوه على القتال مهونين عليه أمر جيش قشتالة ، فقويت عزيمة الأمير تميم، واتفق الجميع على الصدام.
وفي فجر يوم الجمعة 16 شوال سنة 501هـ اصطدم الجيشان في قتال بالغ العنف حتى اختلفت أعناق الخيول، وصبر كل فريق للآخر صبرًا شديدًا، ولم تظهر بوادر النصر لأي منهما، حتى وقعت حادثة غيرت مجرى القتال، ذلك أن الصبي سانشو ولي عهد ألفونسو السادس، انفلت من خيمته ونزل أرض القتال وكان يرتدي زي الفرسان، ووقع وسط ثلة من فرسان المسلمين فقتلوه ، فدب الهرج والمرج في صفوف الإسبان وانهارت عزائمهم وهم يرون مقتل ولي عهدهم وقائد جيشهم، فكثر القتل فيهم ، بينما حاول الكونتات السبعة الذين صاحبوا الحملة الفرار إلى حصن بلنشون القريب، فلحقت بهم جماعة من المسلمين قتلتهم عن آخرهم.
ولقد عرفت هذه المعركة في التاريخ باسم موقعة الكونتات السبعة، وقد وقع خبر الهزيمة ومقتل الأمير سانشو على ألفونسو مثل الصاعقة، حتى إنه استسلم إلى التأوه والنوح بمحضر من حاشيته، ولم يستطع أن يحتمل الصدمة فتوفي مقتولاً بالهم والغم والحزن ....