الظاهر بيبرس وصلاح الدين أكثر الشخصيات الإسلامية اختلافا في الطباع والتعامل والطرح في السياسة والعسكرية ..
فهذا بيبرس العظيم الذي ظلمناه بسبب مقت وكراهية وبغض المستشرقين والمؤرخين الغربيين له ..
هذا الرجل - رغم أنه كان مملوكا - فقد استطاع بقوته و قسوته ومهارته أن يتربع علي عرش مصر ، راسما لها أكبر حدود ومساحة لها في تاريخها ، وجعل منها أعظم وأقوى دولة في زمانه ، لدرجة أن سفارات أوروبا لم تنقطع عن مصر طيلة 17 عام (هي مدة حكمه) خوفا وهلعا من جبروته وتقلبات مزاجه ..
صلاح الدين كان بطلا مثابرا مغوارا ، وكان رأس ماله هو حلمه ، وإرادة لن تجد لها مثيلا رغم أنه لم يكن في درجة "نور الدين" سياسيا ، أو "عماد الدين" عسكريا..
كان صلاح الدين شخصية فذة على المستوى الأخلاقي والسياسي و العسكري ، وكان ذا مشاعر جياشة وطيبة قلب وحب للجميع ، وكان يحنو على كل من يطلب منه المساعدة ، وكان قلبه عبارة عن مزيج من رحمة وشفقة وبطولة وشجاعة مفرطة وحب للدين والجهاد ، ولم نره بصورة الرجل القاسي إلا في مواضع قليلة ، مثل قتل اللعين "أرناط" ، ولهذا أحبه الأعداء ، فهو مثال للفارس المسلم الشهم القوي الحنون الذي لا يخضب سيفه بالدم إلا في معركة أو مبارزة .
أما الظاهر بيبرس ، فهو أحد نوادر الزمان ، فهذا الرجل الشرس العنيف الذي كان يحارب في أربع جبهات في وقت واحد ، وكان لا يبحث عن نصر أو تحرير في معاركه ، بل كان يبغي الكسر والفناء والإذلال لكل عدو كافر ، فهو الرجل الذي ذهب لأرمينيا في أقصى الشمال ونحر جيشهم في النهار ، وفي الليل حرق مملكتهم وأسر امبراطورهم هيثوم وجعل ليلهم نهار بحرق عاصمتهم "سيس" والصلاة في كنيستهم المقدسة وتحويلها إلى مسجد ، كل هذا لاعتدائهم على مزارعين أتراك مسالمين ..
كان لا يقاتل التتار بهدف إجلائهم عن ديار الإسلام ، بل من أجل إفنائهم من دار الحياة و استئصال أرواحهم ، وكذلك كان مع الصليبيين ، فقد قام بارتكاب مذبحة بعد فتحه لمملكة "عكا" ، وكان تأويله الفقهي أن كل من احتل أرض الإسلام سواء كان محاربا أو مواطنا فهو حلال الدم ، فقام بذبح عشرات الآلاف من فرسانهم و رجالهم وكل من كان له القدرة علي حمل السيف سواء حارب أم لا ، ولهذا ينعته المؤرخون بالسفاح الدموي لما فعله بهم ، فقد ظنوا أن كل قادة المسلمين "صلاح الدين" في تسامحه وطيبته ، ولكنهم وجدوا جبارا قاسيا في حروبه وتطهيره لكل الأراضي الإسلامية من دنسهم ، لدرجة أنهم لم يتبق لهم سوي شريط "صور" الذي أفناه قلاوون من بعده..
إن بيبرس كان رجلا لا يعرف قلبه الرحمة أو المعاهدات أو الصلح مثل صلاح الدين ، بل كان يريد الفناء لكل أعدائه الكفار ، وبهذا انتصر في كل معاركه ، وهو نفسه من كان يأخذ بيد المومسات بعد إعلانهم التوبة ويقول هذه ابنتي ، من يصاهرني ويزوجها للأتقى والأفضل من شباب مصر ، وكان عصره أمان ونعمة وخير ، وكان يبغض الشيعة برغم تصوفه وقضى على فتنة السيد البدوي ، وحاصره بمراقبة ابن دقيق العيد مفتي الديار ، وطهر القاهرة من دنس الشيعة وقتل دعاتهم ..
لقد كان الرجلان نموذجين مختلفين تماما ، ولكن بإخلاصهم للإسلام انتصروا ، وخلد الله ذكرهم رغم تناقضهم الشديد ، فصلاح الدين كان بطلا يتمنى الجميع لقاءه و النظر في وجهه الطيب الغامض ومصافحته وتقبيل رأسه ، وبيبرس هو الحاكم الذي يخشاه الجميع ، ولكنهم يطربون لجهاده وبطولاته ويأنفون من قسوته مع خصومه وأعدائه وإن كان الكل يشعر برضا ناحيته لقوته وسيطرته ومهابته التي تقع في قلب أعداءه .