لم أجد شيئاً أهديه لكل مبتلى لكل مريض لكل موجوع لكل مظلوم لكل أم وأب شهيد لكل أسير وأسيرة لكل زوجة فقدت زوجها وأسرة فقدت عائلها أعظم من'' قصة أيوب عليه السلام '' ففيها مواساة المبتلين وسلوى الصابرين .
فمن هو أيوب؟! وما قصة صبره الذي فاق الخيال ؟! ومن هي الزوجة التي تجاوزت كل معاني الوفاء لتصبح من أوفى نساء الدنيا ؟! وما قصة جراد الذهب العجيبة ؟؟!!! وما جزاء الصابرين ؟!
أيوب ونعيم الدنيا :
أيوب بن موص بن رزاح من ذرية إسحاق بن إبراهيم عليهم جميعاً السلام ، ولد أيوب في بلاد الشام في الفترة مابين يوسف وموسى وكان أيوب من أغنى أهل زمانه فكانت عنده أموال واراض وماشية لا تعد ولا تحصى وكان عنده من الأبناء أربعة عشر إبنا أتاه الله سبعة من البنين و مثلهم من البنات وكان عليه السلام شاكراً كريماً يعطي وينفق وكانت له مكانة عظيمة بين الناس حتى لقبوه بالأمير وأراد الله أن يبتليه ليكون اختبارا له و قدوة لغيره من الناس!.
أيوب وصبر الجبال :
ما ذكر الصبر إلا وذكر أيوب عليه السلام حتى أصبح مضرب للأمثال '' يا صبر أيوب '' فقد تحمل أيوب مالايتحمله بشر ، نزلت به الكوارث وحل به البلاء واشتدت عليه المحن وهو صابراً شاكراً فقد تتابعت عليه الإبتلاءات الواحدة تلو الأخرى حيث :
فقد ماله:
بعد أن كان أغنى أهل زمانه نزع الله منه ماله فخسر كل املاكه وأمواله حتى أصبح لا يملك قوت قومه
فقد أبنائه :
مات كل أبناء أيوب الأربعة عشر وهو صابراً راضياً
فقد صحته :
كان أيوب عليه السلام قوي البنيان فتجمعت عليه الأمراض من داخل جسده وخارجه حتى لم يصبح فيه شئ معافى غير قلبه ولسانه ولم يستطع الحركة (وقد ذكرت بعض الروايات أن أيوب أصيب بأمراض جعلت لحمه يتساقط وتأكله الديدان وهذه من الإسرائليات المكذوبة فسنة الله في أنبيائه ألا يبتليهم بأمراض تنفر الناس منهم )..
فقد الصحبة والناس :
بعد ما أصاب المرض أيوب وخسر كل أمواله ابتعد عنه الناس فبعد أن كان محبوباً يأتي له الناس من كل مكان تخلى عنه الجميع فقد أصبح بالنسبة لهم شخص لا فائدة منه.
أمام كل هذه الابتلاءات التي لم تجتمع على أحد عبر التاريخ غير أيوب فقدان المال والأبناء والصحة والصحبة ، ظل أيوب عليه السلام محتسبا صابراً لا يشكوا ولا يئن كما قال عنه ربه : { إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب } .
زوجة أيوب :
من أعظم النساء في التاريخ زوجة أيوب عليه السلام هذه الزوجة الوفية التي ظلت بجوار زوجها لم تنفر منه أو تتخلي عنه فبعدما أصاب المرض أيوب ظلت زوجته تخدمه بل بعدما تفرغ من خدمته كانت تخرج لتعمل لتأتي له بالطعام ، ظلت على هذه الحالة 18 سنة كانت تعمل بالأجرة في البيوت حتى طردها الناس وخافوا أن تنقل لهم الأمراض فلما اشتد عليها الأمر جاءت لزوجها وقالت له: يا أيوب أنت نبي الله أدعو ربك أن يخفف عنا ما نحن فيه فقال: كم لبثنا بالرخاء؟
قالت: 80 سنة،
فيرفض أيوب كما يقول بن عباس ويقول لها: ( والله إني استحيي أن أدعو ربي ما مكثت في البلاء مامكثته في العافية ) .
فتبكي زوجته وتقول له: إلى متى هذا الحال ؟!
فيغضب أيوب ويقول لها : أتعترضين على أمر الله ويتوعدها بالضرب إن عوفي ..
ويشتد البلاء بأيوب وزوجته وهما صابران حتى بلغ الحال بزوجته أن تبيع ضفائرها '' كما ذكر بن كثير '' لتأتي له بالطعام فيسألها أيوب من أين جئتي بالمال فتحاول أن تخفي عليه فيلح عليها فتكشف رأسها فيرى أيوب شعرها قد حلقته وباعته فيبكي أيوب عليه السلام ويرفع يده للسماء ويناجي ربه على استحياء على الرغم من كل ما حل به كان يستحيي أن يدعوا ربه مباشرة فدعاه على استحياء :
{ رب إني مسني الضر وانت ارحم الراحمين }
وهنا يأتي الفرج
جزاء الصابرين :
نجح أيوب في الاختبار وتحمل ما لا يحتمله بشر فكافأه ربه ، وفي ذات يوم كان أيوب جالس مع زوجته فخرجت تأتي بشئ من الخارج فنزل عليه جبريل وأمره أن يضرب الأرض برجله { أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب } فينفجر ماء بارد فيغتسل منه أيوب ثم يشرب فيشفى تماماً من كل امراضه ، حتى أن زوجته عندما دخلت عليه مرة أخرى ظنت أنه رجل غريب وأخذت تسأله عن أيوب !!
فقالت: هل رأيت المريض الذي كان هنا؟ فوالله مارايت رجلا أشبه به إلا انت عندما كان صحيحا؟
فقال: أما عرفتني !!
فقالت: من انت؟
قال: أنا ايوب
يقول ابن عباس: ( لم يكرمه الله هو فقط بل أكرم زوجته أيضا التي صبرت معه اثناء هذا الابتلاء!
فرجعها الله شابة وولدت لإيوب عليه السلام ستة و عشرون ولد من غير الإناث يقول سبحانه: { واتيناه أهله و مثلهم معهم } )
ثم عوض الله أيوب وزوجته عما فقدوه فأعاد له صحته ورزقه بذرية مضاعفة وأعاد الله له ماله وأرسل عليه جراد من ذهب كما في الحديث ... روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينما أيوب يغتسل عرياناً، خرَّ عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثو في ثوبه، فناداه ربه، يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى بي عن بركتك).
هكذا كافأ الله أيوب لصبره ورضائه بقضاء ربه
{ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } (ص-44)
===========================================
المصدر :
- الكامل في التاريخ - إبن الأثير
- البداية والنهاية - إبن كثير