ربما أسقط التاريخ الفكري والثقافي القرن العاشر من تاريخ العالم الثقافي والعلمي .. حيث كان هذا العصر فترة مظلمة تعج بالخرافات والأساطير ويحكمها الجهل .. كان الأمر هكذا في أوروبا , ولكن لم يكن بهذا الشكل أبداً في العالم الإسلامي الذي كان على النقيض تماماً .
فقد حكم العباسيون العالم الإسلامي قرنين من الزمان , إمتدت فيها ربوع العالم الإسلامي إلى أسبانيا في الغرب , وحتى بلاد الهند في الشرق , وكانت تتوسع رقعة الدولة الإسلامية إلى أجزاء في روسيا الحديثة أيضاً , فكان العالم الإسلامي مزدهراً , وكانت لبغداد مركزاً فكريا وثقافياً عالمياً لأكثر من قرن من الزمان , مع وجود المكتبات والمدارس الإسلامية المنتشرة في ربوعها , فكان بإمكان المسافرين من كل مكان في العالم التعرف على أرض يحكمها المسلمون , من خلال حركة الشعوب والتجار والحرفيين , حتى أن الكثير من الادوات والكتب والمنسوجات عند الغرب إرتبطت بثقافة المسلمين فكانت تعرف بـ ( الإسلامية ).
وفي ظل هذا المناخ الثقافي والعلمي الرائع , تم إرسال ( أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حماد ) من قبل الخليفة العباسي المقتدر (932) هجرية , إلى مملكة (الفولغا بولغارس) وهي روسيا حالياً .
فقد كان هناك بعض المتحولين إلى الإسلام من الروس في ذلك الوقت , فقرر الخليفة العباسي , إرسال عالم ديني من أجل توجيه المتحولين الجدد لتعاليم الإسلام الصحيح , فقد كان السبب الرئيسي لرحلته إلى المنطقة هي إرشاد ملك البلغار في مسائل الدين الإسلامي.
لا يعرف الكثير عن ( ابن فضلان ) قبل تلك الرحلة , فقد كان كاتب عربي مسلم ومسافر في القرن العاشر الميلادي وقد فُقد الكثير من سجله , وما كان معروف عنه هو انه عاش ما بين 921 - حتى 309 هجرياً , وكان متحالفاً مع القائد العباسي محمد بن سلمان الذي قاد عدة حملات عسكرية من مصر إلى الصين., ولكن رحلته إلى بلاد الروس أو كانت كافية لجعله من أشهر الرحالة المسلمين , فضلاً عن وثيقته التاريخية التي لا تقدر بثمن والتي تعتبر من أقدم المصادر في روسيا القديمة , وأول مخطوطة عربية تصف غير المسلمين , وتجميع التاريخ المبكر لروسيا وشعبها , فقد قام ( ابن فضلان ) بمراقبة سلوكياتهم , وعاداتهم , حتى وصف أشكالهم .
كيف وصف ابن فضلان شعب الروس؟
غادر ( ابن فضلان ) بغداد في يوم 21 يونيو 921 (11 صفر 309 هجرية). ووصل إلى البلغار بعد مشقة كبيرة في 12 مايو 922 هجرية .
وبعد وصوله إلى بولغاز قام ( ابن فضلان ) برحلة إلى ويسو (بيرم كراي الحديث من روسيا) وسجل ملاحظاته على التجارة بين بولغا البلغار والقبائل الفنلندية المحلية.
حيث وصف ( ابن فضلان ) أجسامهم وصفاً تفصيليا , بإن لهم أجساد طويلة مثالية وصفها كأشجار النخيل , وعظام خدود عالية بارزة في الوجه , ويمتلكون شعراً أشقراً , وجلدً وردياً , ويضعون الكثير من الوشوم من الأظافر حتى الرقبة من ألوان كالأزرق الداكن أو الأخضر الداكن , وجميعهم مسلحين بفأس وسكين طويل طوال الوقت .
أما نسائهم فقد وصفهم ( ابن فضلان ) أنهن يرتدين مربعات من الحديد أو الذهب أو الفضة فوق صدورهن , وتشير قيمة المربع إلى ثروة الزوج , كما يرتدين خواتم للعنق من الذهب والفضة , ومعظم الحلى الثمينة من الخرز والزجاج الأخضر , حيث كانوا يتاجرون بالخرز فيما بينهم ويدفعون ثمناً باهظاً فيه .
يحرقون جثث موتاهم :
- وصف (ابن فضلان) بالتفصيل الممارسات الجنائزية لشعب الروس , فبعد أن سمع أن الأشخاص ذوي الشأن في البلاد يحرقون بعد موتهم , أراد التأكد من ذلك بعد ما سمع عن موت أحد هؤلاء .
فقد وصف ( ابن فضلان ) طقوس الجنازة عند شعب الروس , بإنه يستمر لعدة أيام , ويتكون من طقوس مختلفة , حيث يتم إعداد الرجل المهم الميت من أجل إحراقه , جنباً إلى جنب مع بعض العبيد والفتيات اللاتي تطوعن للموت مع سيدهن , وذلك بعد أن يجامع تلك الفتيات عدة رجال , ثم يتم وضع حبل حول رقبة الفتاة من قبل إمرأة تسمى ( ملاك الموت ) . ثم تقوم بطعنها بخنجر, بينما يقوم رجلان آخران بخنقها بالحبل حتى الموت , ليُحرق جسدها بعد ذلك مع سيدها على القارب .
الروس كانوا قليلي النظافة :
ومما لا يثير الدهشة , هو إختيار ( إبن فضلان ) وصف العادات والسلوكيات الغريبة التي تختلف عن الممارسات و القيم الإسلامية ومن ذلك ( النظافة والعادات الصحية للروس ) ,فعلى النقيض من جمالهم الجسدي , وصفهم ( ابن فضلان ) بإنهم شديدي النقص في النظافة , حتى إنهم لا يغتسلون بعد الجماع , ولا ينظفون أنفسهم بعد التبول أو قضاء الحاجه عمومأ , ولا يغسلون أيديهم بعد تناول الطعام , إذ إنهم ربما يستعملون وعاء واحد من الماء في اليوم يكاد لا يخلو من كل تلك القذارة , حيث تمليء الخادمة كل يوم حوض الإستحمام لسيدها الذي يغتسل فيه ومن ثم يبصق فيه أيضاً أو ينظف أنفه , ثم بعد أن ينتهي تقوم الخادمة بتمرير نفس الحوض بنفس الماء لباقي أفراد العائلة بنفس القذارة دون تغيير الماء وهم بالفعل يكررون ما سبق ! , فربما يعتبر هذا الوصف مشينا ومقززاً بالنسبة لمسلم مثل ( ابن فضلان ) حثه دينه على عدم إستخدام مياه راكده او غير نظيفة لمجرد الوضوء .
المريض كالجرثومة :
عند مرض أحد الروس في المنطقة كان يتم وضعه في خيمه بعيداً مع بعض الخبز والماء , ولا يأتي الناس للتحدث معه أو رؤيته , وخاصة إذا كان رجلاً فقيراً أو عبداً , فإذا شفى من مرضه عادوا إليه , وإذا مات , قاموا بإحراق جثته , وإذا كان عبداً , فتترك جثته لتأكلها الكلاب والطيور الجارحة .
كما أخبر( ابن فضلان ) في وصفه للروس , أنهم إذا أمسكوا بلص ما , فإنهم يعلقونه على شجرة طويلة ويتركونه معلقاً حتى يسقط جسده في قطع .
كيف يعيش ملك الروس ؟!
وصف ( ابن فضلان ) طبيعة ملك الروس بإن له 400 رجل في قصره , يجلسون حول عرشه المرصع بالأحجار الكريمة , وهم من أشجع الرجال , الذين يموتون مع الملك ويقتلون من أجله , ولكل منهم جارية من الرقيق تخدمهم وتعمل على راحتهم .
يجب أن تعلم أن ..
لم تكن بعثة ( ابن فضلان ) مجرد مهمة دينية , ولكن كانت لديها العديد من الجوانب الأخرى التي أسندها الخليفة , فقد كان هناك جانب عسكري وسياسي في البعثة , حيث هدفت أيضاً إلى جمع الأموال لبناء قلعة لحماية فولغا بلغار التي دخل ملكها حديثاً في الإسلام ضد غارات خازار اليهودية.
وجدير بالذكر أن ( أحمد بن فضلان ) لم يكن جغرافياً , وهو ما يفسر عدم وجود أوصاف جغرافية في حساباته , وعدم وجود خطوط طول أو خطوط عرض , ومع ذلك فقد لاحظ ( ابن فضلان ) طول الليل خلال الشتاء , وطول النهار في فصل الصيف , مما جعل من عملية حساب أوقات الصلاة شيء صعب للغاية , ولكنه بالرغم من هذا لم ينحرف عن إسلوب الكاتب , ولم يقترب
من تقاليد الجغرافيين .
وأخيرا ..
يجب أن نذكر أن بخلاف ما صوره المؤلف (مايكل آرتز) , في كتابه عن رحلة ابن فضلان إلى بلاد الروس , والتي إستند عليها فيلم (المحارب رقم 13 ) , أن ( أحمد بن فضلان ) قد طُرد من بغداد بسبب أنه قد تودد إلى أحدى النساء من حريم القصر , فإن في الحقيقة ( ابن فضلان) كان رجلاً مميزاً يفضله الخليفة بسبب مؤهلاته الدينية والدراسية والأدبية والعسكرية , ولم يكن أبداً سيء الخلق أو قليل الدين , مما جعله مرشحاً أساسياً لقيادة حملة سياسية ودينية عظيمة كهذه إلى بلاد الروس , مما جعله أفضل من وصف الروس وشعوبهم قديماً , وأصبح إسم ( أحمد بن فضلان ) واحداً من أهم أسماء الرحالة العرب قديماً وحديثاً .
=======================================
المصدر :
- كتاب رحلة أحمد بن فضلان - الدكتور عبد العال الشامى