التاريخ الإسلامي التاريخ الإسلامي
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...

عبدالرحمن الداخل (صقر قريش)

قصة رجل رمته الحياة بأدهي الدواهي , ونزلت به إلي الحضيض الذي يدعو أشد الناس أعصابا إلي الجنون أو الاستسلام ، فقفز من حضيض الإخفاق إلي ذروة الفلاح والنجاح.
إشتدت ثورة بني العباس ضد بني امية عام 750 م ، فوقعت معركة (الزاب الكبير) التي ادت الى نهايةَ الدولة الأموية وسُقوطها وقيام الدولة العباسية ، وقُتلَ بعدها آخر خلفاء بني أمية في الشام مروان ببضعة شهور ، و أخذ العباسيون بعدَ قيام دولتهم بمُلاحقة بني أمية وقتلهم ، ولذلك فرَّ الكثير منهم بعيدًا، محاولين النجاة بأنفسهم ، فلم يفلت منهم إلا القليل ، و كان منهم شاب اموي صغير هو الامير "عبد الرحمن بن معاوية بن هشام" صقر قريش .

ظل اول خليفة عباسي أبو العباس عبد الله السفاح يطارد بني أمية و ينكل بهم خشية أن يحاولوا استرداد ملكهم ، ففكر الامير الشاب عبد الرحمن الداخل صاحب 19 عاما .. أين يذهب والبلدان كلها قد خضعت للخليفة أبو العباس ، وأين يفر والناس كلهم يدلون عليه إن عرفوه .. وليس معه معين إلا غلامه بدر ولا مال إلا جوهرة لو أخرجها ليبيعها لعرفوه بها فيقتلوه ، فاختفي في قرية بقنسرين شمال سوريا .

إنه موقف مقطوع فيه الأمل إلا من الله ثم عزيمة الأمير الشاب فقد كانت للأمير أعصاب قدت من الفولاذ وعقل لا تدنو إلي إدراك تفكيره العقول رمي ببصره إلي البلدان فوجدها كلها مغلقة دونه فلم يجد إلا الأندلس ولكنه كان في الشام وأين أنت يا أندلس من الشام ؟

لم ييأس الشاب و انطلق إلي الأندلس ، التي دونها سدس محيط الأرض من صحاري وجبال ومهالك و المسودة جنود بني العباس يتبعون اثره .. وفي الطريق تعقبته فرسان العباسيين ، فلم يجدا أمامه مهربًا إلا عبور نهر الفرات فألقي بنفسه فيه و معه أخوه الصغير هشام ، وإذ هما في منتصف النهر، أغرتهما فرسان العباسيين أن يرجعا ولهما الأمان ، فرجع أخوه خشية الغرق، ولم يسمع نصح عبد الرحمن فذبحوه أمامه ، وكان عمر أخيه 13 سنة، بينما نجح عبد الرحمن بالوصول إلى الضفة الأخرى.

وانطلق مع خادمه بدر يمشي في الليل ويختبئ في النهار من قرية إلي قرية ومن ركن والطريق لا ينتهي وأي طريق .. كيف لشاب طريد يمشي من الشام إلي مصر ومن مصر إلي طرابلس إلي تونس ثم الجزائر إلي أقصي المغرب ثم يعبر البحر وهو فقير ضعيف مطارد ما معه إلا غلامه بدر .

و ليت لدينا مذكرات تلك الرحلة الغريبة لكانت أعجوبة العجائب في قصص المغامرات ولكنها لم تكتب .

ووصل الشاب الأندلس بعد ست سنوات من الهروب فوجدها في معزلة عن الدولة تسودها الفوضى و حروب داخلية بين العرب بسبب العصبية القبلية بين القيسية واليمانية ثم العنصرية العرقية بين العرب والبربر ، هذه الخلافات جعلت المسيحيين في الشمال ينتقلون من الدفاع للهجوم و أنشأت إمارة مسيحية في أستورياس اقصى شمال الاندلس ، و كادت دولة الإسلام تدمر فيها قبل أن تبدأ .

لكن هذا الشاب الطريد الشريد استطاع أن يرمي بنفسه في معمعة فوضى الاندلس ، وأن يكون من ابرع سياسي الدنيا ، فاجتمع حوله الناس و بايعوه ، وكان وافر العزم والدهاء والحزم والصرامة ، ومُنذُ أن تسلَّم الحُكم عبدُ الرحمٰن بن مُعاوية الذي سمي «عبدُ الرحمٰن الدَّاخل»، كونه «دخل» (أي هاجر) إلى الأندلُس ، حتَّى دخل المُسلمون في الأندلُس في عهدٍ جديدٍ قائمٍ على أُسسٍ سياسيَّة بعيدةٍ عن العُنصُريَّة والقبليَّة من واقع تحجيم نُفوذ زُعماء القبائل وإحلال سُلطة الدولة مُمثلة بقصر الامارة في قرطبة ، و قضى عبد الرحمن في فترة حكمه ، التي استمرت 33 عامًا، في إخماد الثورات المتكررة على حكمه في شتى أرجاء الأندلس، تاركًا لخلفائه إمارة اسلامية قوية استمرت لنحو ثلاثة قرون.

إن سيرة الداخل أروع سيرة في تواريخ الأمم للأمل الذي يذيب الصعاب كما تذيب الشمس جبلا من الثلج ، والهمة التي تضم المشرق إلى المغرب والعبقرية التي تنشئ وتشيد من العدم وجودا ضخما ، انها سيرة الامير الطريد الذي استلم إرث أمية ملطخا بالوحل فجعله أسمىٰ من النجم وأبهىٰ من إشعة الشمس .

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إحصاءات المدونة

جميع الحقوق محفوظة

التاريخ الإسلامي