تبدأ قصتنا من أواخر عهد الخلفاء الراشدين في سنة 35 هجرية مع اشتعال أحداث الفتنة الكبرى بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان وتولي علي بن أبي طالب الخلافة ، حيث انقسم المسلمون حينها إلى معسكرين متحاربين بين الخليفة علي بن أبي طالب ووالي الشام معاوية بن أبي سفيان الذي رفض الخضوع لعلي بن أبي طالب قبل الأخد بالثأر من قتلة عثمان بن عفان ، لأن معاوية بن أبي سفيان كان من بني أمية مثل عثمان بن عفان واعتبر نفسه أنه ولي دم عثمان ، وقد انتهى هذا الصراع بمقتل علي بن أبي طالب سنة 40 هجرية على يد الخوارج ، ومن بعده ذهبت البيعة لإبنه الحسن لكن الحسن كان اكتفى من القتال والصراع بين المسلمين ليقرر حقن دماء المسلمين حيث تنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان .
وبهذا انتقلت الخلافة لمعاوية ، لكن بشرط أن تعود الخلافة للحسن إذا مات معاوية ، وكان ذلك في عام الجماعة وهو عام 41 هجرية ، وقد سمي بعام الجماعة لكون المسلمين أجمعوا فيه على خليفة واحدة وهو معاوية بن أبي سفيان وذلك بفضل مبادرة الحسن بن علي رضي الله عنه.
لكن المشكل الذي وقع فيما بعد هو أن الحسن كان قد توفي رضي الله عنه قبل معاوية في فترة خلافته سنة 50 هجرية ، ليعين معاوية إبنه يزيد كولي للعهد ووريث للخلافة وبهذا جعل معاوية الخلافة وراثية في عهد بني أمية.
وإنتهى عهد الخلفاء الراشدين وبدأت حقبة جديدة في التاريخ الإسلامي وهو عصر دولة الخلافة الأموية، وقد أثار هذا القرار غضب الكثير من المسلمين الذي رفضوا أن تكون الخلافة الوراثية في بني أمية لأنه يخالف مبدأ الشورى في اختيار الخليفة وشبهوا الأمر بالملك ، ورأوا بأن معاوية سيحول الخلافة من الشورى بين المسلمين لملك مثل الفرس والروم ، وكان أكبر المعارضين هم أبناء الخلفاء الراشدين ومعهم الحسين بن علي أخو الحسن رضي الله عنه.
اتخد معاوية دمشق عاصمة للدولة الأموية والرايات البيضاء علم للدولة ، كما استحدث معاوية أنظمة جديدة للدولة مثل نظام الدواوين الذي أخده عن الفرس ومنصب الحاجب الذي يقوم بتنظيم دخول الناس للخليفة كما عين معاوية حرسا شخصيا له، وقد حكم معاوية بني أبي سفيان الدولة لمدة 20 سنة حتى توفي سنة 60 هجرية.
تولى الحكم يزيد بن معاوية بعد وفاة والده، وفور توليه السلطة ظهرت معارضة توليته حاكما وكان على رأس المعارضين سيدنا الحسين رضي الله عنه ، وهذا كان السبب الرئيسي في وقوع حادثة كربلاء سنة 61 هجرية التي إنتهت بمقتل الحسين بن علي على يد الجيش الأموي أثناء توجهه لمدينة الكوفة بعد مواعدة أهلها له لنصرته.
وبعد مقتله قامت ثورة في الجزيرة العربية بزعامة عبد الله بن الزبير الذي انشق عن الدولة الأموية لتقسم الخلافة أو الدولة بين الأمويين الذين حكموا مصر والشام وعبد الله بن الزبير الذي أسس دولة ثانية وأخد لنفسه البيعة في العراق والحجاز.
وفي سنة 63 هجرية وقعت معركة (الحرة) في المدينة المنورة بين الجيش الأموي وأهل المدينة المؤيدين لعبد الله بن الزبير وقد انتهت هذه المعركة بهزيمة أهل المدينة حيث استباح الأمويون المدينة لمدة 3 أيام.
توفي يزيد بن معاوية سنة 64 هجرية ، وتولى الخلافة بعده مروان بن الحكم ، وبهذا انتقلت السلطة الأموية إلى الفرع المرواني من أسرة بني أمية.
وفور تولي مروان الحكم أرسل جيشه لمواجهة عبد الله بن الزبير حيث هزمه في معركة (مرج راهط) سنة 64 هجرية، مما أدى إلى إضعاف قوة عبد الله بن الزبير بشكل كبير ، وبعدها بسنة واحدة توفي مروان بن الحكم وخلفه إبنه عبد الملك بن مروان.
قام عبد الملك بتعيين الحجاج بن يوسف الثقفي في قيادة الجيش والذي يعد من أشهر القادة الأمويين، وقد تمكن هذا الأخير من حصار مكة بعدما احتمى فيها عبد الله بن الزبير داخل الكعبة ونجح في هزيمة عبد الله وقام بقتله لينهي بذلك دولته، وبهذا نجح الأمويين في عهد عبد الملك بن مروان في توحيد الأقاليم الإسلامية تحت راية الخلافة الأموية.
كما تم أيضا في عهد عبد الملك بن مروان تعريب الدولة حيث تم تعريب الدواوين، وكان عهده مليئا بالفتن والثورات والتي كانت أخطرها ثورات الخوارج ، لكنه تمكن من القضاء عليها كلها، كما تم في عهده سك أول عملة إسلامية نقش عليها صورته حيث أنها كانت عملة ذهبية استخدمها بدلا من العملات البيزنطية والساسانية التي كانت مستخدمة من قبل.
كما اهتم عبد الملك أيضا بالبناء والتشييد حيث أنه قام بتشييد مسجد قبة الصخرة في القدس وقام أيضا بعمل إنشائات في المسجد الأقصى، وقد حكم عبد الملك بن مروان الدولة لمدة 21 سنة حيث توفي سنة 86 للهجرة بدمشق.
بعد وفاة عبد الملك بن مروان تولى الحكم إبنه الوليد بن عبد الملك الذي استلم من والده دولة قوية ومتماسكة ، لذلك نشطت الفتوحات الإسلامية في عهد الوليد واتسعت الدولة الأموية في عهده لتمتد من حدود الهند وغرب الصين في الشرق لإيبيريا والمحيط الأطلسي في الغرب، ففي الغرب استكمل القائد موسى بن نصير الفتوحات الإسلامية حيث قام بفتح شمال إفريقيا حتى وصل للمحيط الأطلسي، حيث أدخل عددا كبيرا من سكان شمال إفريقيا (الأمازيغ) في جيشه والذي كان من بينهم القائد طارق بن زياد الذي تمكن من فتح الأندلس، أما في الشرق فقد نجح القائد محمد بن القاسم في السيطرة على بلاد السند ووصل إلى حدود الهند، كما قام جيش آخر بقيادة قتيبة بن مسلم بفتح بلاد ما وراء النهر وآسيا الوسطى.
وفي سنة 96 هجرية تولى سليمان بن عبد المالك حكم الدولة الأموية فقرر عزل كل قادة الفتوحات وقرر إيقاف الفتوحات في الشرق والغرب بسبب إتساع الدولة، وقد قام أيضا بعمل حصار طويل لمدينة القسطنطينية التي كانت عاصمة للإمبراطورية البيزنطية العدو الأقرب للدولة الأموية لكنه مات أثناء الحصار وفشل الحصار بعدها.
بعدها وتحديدا في سنة 99 هجرية تولى الحكم أشهر الملوك الأمويين وهو عمر بن عبد العزيز الذي لقبه المؤرخون بخامس الخلفاء الراشدين بفضل عدله وزهده وحسن إدارته للدولة على أن الرغم من أن فترة حكمه لم تدم إلا سنتين فقط.
وبعده تولى يزيد الثاني السلطة الذي أعاد حركة الفتوحات الإسلامية مرة ثانية، وفي نفس الوقت قضى على ثورات الخوارج التي كانت تهدد إستقرار الدولة، وبعده تولى هشام بن عبد الملك الحكم حيث وصلت في عهده الدولة الأموية لأوج إتساعها حيث امتدت حدودها من غرب الصين شرقا إلى جنوب فرنسا غربا، وفي عهده قام والي الأندلس عبد الرحمان الغافقي بمحاولة فتح فرنسا حيث حقق في البداية انتصارات عدة وفتح جنوب فرنسا لكنه توقف عن التقدم بسبب تلقيه هزيمة قاسية في معركة بلاط الشهداء سنة 114 هجرية لتنتهي بذلك توسعات المسلمين في أوربا الغربية.
توفي هشام بن عبد المالك سنة 125 هجرية لتبدأ بعدها مرحلة أخرى في تاريخ الدولة الأموية وهي مرحلة الضعف والإنحطاط ثم السقوط حيث أنه تولى في هاته المرحلة أربعة ملوك الحكم وهم الوليد الثاني بن يزيد، يزيد الثالث بن الوليد، إبراهيم بن الوليد ومروان بن محمد، حيث كان هذا الأخير هو آخر حكام بني أمية حيث تميزت هاته المرحلة بتراجع حركة الفتوحات وانشغال الأمراء الأمويين في صراعتهم الداخلية على الخلافة كما اشتعلت الفتن والثورات وكل ذلك تسبب بإنهاك قوة وموارد الدولة الأموية، كما ظهر أيضا التعصب الشديد للعرق العربي ضد الأعاجم وظهر التعصب أيضا بين العرب القيسية والعرب اليمنية.
وفي تلك الفترة أيضا كانت تزيد قوة ونفوذ العباسيين في إقليم خرسان وبدأوا بتأسيس دولة قوية وبدأت تظهر الدعوات التي تنادي بسقوط الحكم الأموي وتدعوا لدولة جديدة وهي الدولة العباسية.
بدأت الدولة العباسية الناشئة تتوسع على حساب الدولة الأموية حتى وصلت جيوشها إلى مدينة دمشق عاصمة الدولة الأموية، وقد تمكن العباسيون بقيادة أبو العباس السفاح من هزيمة الأمويين هزيمة ساحقة وقاضية في معركة نهر الزاب سنة 132 هجرية الموافقة لعام 750م، لتنتهي بذلك الدولة الأموية بعد أن دامت لقرابة قرن من الزمن وتمت مطاردة آخر حاكم أموي وهو مروان بن الحكم ليتم القبض عليه وقتله، لتقوم بعدها الدولة الجديدة وهي دولة بني العباس على أنقاض الدولة الأموية حيث ورثت أملاكها في الشرق والغرب.
وبعد سقوط الدولة الأموية قام العباسيون بتصفية أمراء البيت الأموي وحبسهم أو قتلهم، لكن تمكن أمير أموي يدعى عبد الرحمن الداخل من الهرب من بطش العباسيين ولجأ للأندلس حيث أسس بها إمارة أموية مستقلة عن الدولة العباسية، ليقوم خلفائه بعده بإعادة إحياء الخلافة الأموية في الأندلس.
=======================================
المصادر :
1 / البداية والنهاية : بن كثير
2 / المنتظم في تاريخ الملوك والأمم : بن الجوزي
3 / تاريخ الرسل والملوك : الطبري
4 / الكامل في التاريخ : بن الأثير