إن العرب جنس حاد المشاعر جامح الغرائز ، عندما يطيش يفقد وعيه وعندما يعقل يبلغ الأوج ، ولقد قرأت رأى ابن خلدون فى العرب وترددت فى تصديقه ثم انتهيت أخيرًا إلى أن العرب لا يصلحون إلا بدين ، ولا يقوم لهم ملك إلا على نبوة، وأن العالم لا يعترف لهم بميزة إلا إذا كانوا حملة وحى ، فإذا انقطعت بالسماء صلتهم ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وغشيهم الذل من كل مكان .
وتاريخ العرب الأقدمين مع الدين مثار عبرة ... لقد قرأت سير الأنبياء العرب مع أقوامهم وعجبت لضياع رسالتهم أمام عواصف التكذيب التى هبت عليهم من كل مكان ، فى جنوب الجزيرة العربية كانت عاد وسبأ وفى شمالها كانت ثمود ومدين وقرى المؤتفكة .
إن الرسل الكرام أعجزتهم الطباع المستكبرة والرذائل المتمكنة ، فمضت سنن الله تحصد المجرمين وتؤدب العاتين .
وجاء فى سورة هود (وهى نموذج لهذا التاريخ فى القرآن الكريم) قوله سبحانه: { فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين * وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون }.
وشاء الله أن يتجدد العرب مع الرسالة الخاتمة ، إن الأوائل الذين بادوا فى حريق الجحود جاء من بعدهم من أخذ الكتاب بقوة ، وخدم الإيمان بعزم ، وانتصب لحرب الجبابرة ببأس شديد ، والواقع أن الجيل الذى رباه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان من طراز فذ ، لقد ألآن القلوب لله حتى بلت دموعها المحاريب ، وأخلص النيات فما بقى هوى ولا غش ، وتمهدت الميادين لنصرة الحق ، وقيل يا خيل الله اركبى .. فاندكت صروح للباطل ما ظن أحد أنها تزول ، وتلاشت أوهام وخرافات طالما حقرت الإنسانية وأزرت بها ونشأت حضارة إسلامية أسهم فيها العرب وغيرهم فى ظل إخاء عام وفطرة سليمة .
ولكن العرب نسوا معقد شرفهم وعروة مجدهم ، وظنوا أنهم بغير الإسلام يمكن أن يكونوا شيئًا وقوى هذا الشعور أو ضعف حسب انكماش الإيمان وامتداده .
وجاء دور الهزيمة العامة فى تاريخ العرب الأخير ، والعرب يفخرون بأصلهم لا بدينهم ، ويتحدثون عن دمهم لا عن نسبهم الروحى الثاقب .
ولعل أغرب مفارقة فى تاريخ الحياة كلها أن يقبل اليهود فى موكب تقوده التوراة على حين ينسى العرب قرآنهم ، بل تستعجم لغتهم على أفواههم فما يحسنون النطق بها .
وبديهي أن تتلاحق المخازى فى شئون العرب السياسية والاجتماعية ، وألا يبدو لهم نصر فى أفق من الآفاق ، كيف ؟ وقد تيقظت الشهوات وصرخت الأثرة وشرع العرب المعاصرون يحيون كما كانت عاد وثمود ، يبطشون بطش الجبابرة ولا يروى لهم عطش إلى الملذات الحرام ..
إن العرب ـ بعيدًا عن الإسلام ـ لن يكونوا إلا حطب جهنم ذاك فى الدار الآخرة أما فى هذه الدنيا ، فإن العرب بعيدًا عن الإسلام ، سيأكل بعضهم بعضاً ، ثم يأكل بقيتهم اليهود والنصارى .
إذا كان الدين ضرورة إنسانية لرشد الناس ، وقيامهم بحقوق خالقهم ، فإن الدين للعرب هو الهواء الذى يبقى حياتهم ، أو الغذاء الذى يمسك كيانهم ، فليروا رأيهم ، إن شاءوا الحياة أو شاءوا الممات ..