قصة الفتنة الكبرى .. إن ما حدث بين الصحابة في ذلك الوقت ، و أسباب الخلاف ، وطبيعته ، ونتائجه ، أمور تتكرر في عصور كثيرة ، وفي عصرنا هذا وإلى يوم القيامة ، فلا بد من معرفة أسباب الخلاف الرئيسة ، وكيف أستمر ؟ وما هي نتائجه ؟ وكيف إنتهى ؟ .
سنبداء بإذن الله سرد للأحداث التاريخية والتي أدت إلى وقوع الفتنة بين الصحابة عقب إستشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وذلك بمنظور إسلامي وتحليل صحيح نبين فيها الصواب من الخطأ بعيدا عن الروايات المنحرفة.
{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111].
مقدمة :
نفتح اليوم صفحة مؤلمة من التاريخ الإسلامي ، صفحةَ استشهاد مجموعة ضخمة من الصحابة على أيدي الصحابة ، إنها أحداث الفتنة الكبرى ، فتنة قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ذي النورين وصهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفتنة قتال علي بن أبي طالب معاوية رضي الله عنهما، وفتنة استشهاد هذه المجموعة من الصحابة في حدث كان له الأثر الشديد في تحويل مسار الدعوة الإسلامية في هذه الفترة.
حقيقة .. البحث في هذا الموضوع من أصعب ما يكون ، وذلك لأن الخوض فيه شائك وخطير ، والخطأ فيه يأتي على حساب رجل من أهل الجنة ، والصحابة جميعًا نحسبهم من أهل الجنة ، وقد توفي الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ ، ونزلت في فضلهم الآيات الكثيرة ، والخطأ فى حق أحدهم إنما هو خطأ عظيم وجسيم.
وسوف نحاول أن نضع بعض الأسس القوية التي من خلالها، وعلى ضوئها نستطيع أن نتناول موضوع الفتنة ، وليس من الصواب أن يُقرأ في أحداث الفتنة من أي مصدر ، ومن الخطورة أن يقرأ الإنسان عن الفتنة من مصدر غير موثوق.
نحن نريد بداية أن نبني هذا الأساس، والذي يعصم الإنسان من الوقوع في الخطأ في حق أي صحابي من الصحابة الأطهار رضي الله عنهم جميعًا.
الفتنة ومكانة الصحابة :
للصحابة في قلوب المسلمين مكانة سامية ، لا يفوقها إلا مكانة النبي صلى الله عليه وسلم ، وما ذلك إلا لما بذلوه من أجل نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ونشر الدين ، وما قدَّموه من تضحيات جسيمة بالمال والوقت والنفس لأجل رفعة راية الإسلام.
وقد جعل الله سبحانه وتعالى للصحابة مكانة كبيرة بين البشر ، فقد أثنى عليهم قائلاً :
{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29].
ولهذا يُجِلُّ المسلمون الصحابة إجلالاً كبيرًا ، ولا يقبلون أن يتطاول أحد عليهم ولو بلفظ.
ولا يعني هذا أنَّ الصحابة معصومون من الخطأ ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ".
ولكن مكانة الصحابة تقتضي ألَّا يتجاوز أحدٌ من المسلمين في حقِّهم ، وإلا كان ذلك علامةً على نقص الدين في نفسه.
من هم الصحابة ؟
نحب أن نشير أيضًا إلى معنى الصحابة ، حتى نكون على علمٍ بقدر من نتحدث عنه.
الصحابي :
هو كل من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورآه أو اجتمع به في حياته ، ومات على الإيمان ، فيدخل فيهم من ارتد ، ثم رجع إلى الإسلام كالأشعث بن قيس.
وعدد الصحابة في أصح الأقوال مائة وأربعة عشر ألفًا.
أما التابعي :
فهو من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتقى بصحابي وتعلم منه ، وهم درجات فمنهم الدرجة العليا كسعيد بن المسيب ، فإن معظم رواياته عن الصحابة ... والطبقة الوسطى من التابعين مثل : عكرمة ، وقتادة ، وعمر بن العزيز ، والحسن البصري وغيرهم ... والطبقة الصغرى وهم من أخذوا أحاديث قليلة من الصحابة ... ويوجد من يُسمّى بالمخضرم ، وهو من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ولم يره ، كالنجاشي.