الحقيقة أن إسلام أهل اليمن لم يأتِ دَفْعة واحدة أو في زمن واحد أو بوسيلة واحدة ، وإنما كان على دفعات ولكلٍّ قوَّة ولكلِّ قبيلة في اليمن أسلوب انتهجه واتبعه معها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت المقدِّمة حينما أسلم أفراد من قبائلَ مختلفة (كأبي موسى الأشعريِّ في الأشاعرة ، والطفيل بن عمرو في دَوْس ، وقيس بن نمط الهَمْدَاني في هَمْدَان) فأخذوا يَنْشَطون للدَّعوة في قبائلهم.
ولا ريبَ أن إسلام اليمنيين لم يأتِ بين عشية وضحاها ، فلم يكن يخفى عليهم أمر البعثة النبوية (610م) ، وذلك من خلال الرحلات التِّجارية التي كانت بين قريش واليمن ، وما تلاها من دعوة سرية وجهرية ، ثم مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم الوافدين من القبائل المجاورة ، وبعد ذلك هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة ، ثم إلى المدينة وبداية تكوين الدولة الإسلامية ، والتي ظهرت مكانتها الخاصَّة بعد غزوة بدر الكبرى (2هـ/ 623م) ، لتُهَدِّد بعد ذلك دولة الروم في دومة الجندل (5هـ/ 626م) ، وتتوسَّع فيما حولها على حساب يهود بني قَيْنُقَاع وبني النضير وبني قُرَيْظة، ثم تُقِرُّ سلطانها بعد صلح الحديبية (6هـ/ 627م) أمام زعيمة الجاهلية العربية قريش ، فكان لكل هذه الأحداث المتلاحقة أثر كبير في أهل اليمن ، فجاء تأثُّرهم بالإيجاب في ذلك.
وقد كانت اليمن في تلك الأثناء منقسمة بين قوى قَبَلية هي: حمير ، وحضرموت ، وكندة ، وهَمْدان ، وبين حُكْمٍ فارسي في صنعاء وعدن وما حولها ، وبين جَيْبٍ في نجران للنفوذ الروماني الحبشي ، وهو الجَيْب الذي كان فيه نصارى نجران هناك.
أما بالنسبة إلى الفرس الذين يحكمون اليمن ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث رسالة إلى "باذان" حاكم اليمن من قِبَلِ الفُرس دعاه فيها إلى الإسلام ، فاستجاب باذان لدعوة الإسلام ، وتَبِعَه في ذلك أتباعه ، وقد أقرَّه الرسول صلى الله عليه وسلم على اليمن، فلم يزل عاملاً عليها حتى مات.
وأما نصارى نجران فإن وفدهم قَدِمَ المدينة ولم يكن مقصودهم الإسلام ، وإنما الجدال والمفاخرة والملاعنة ، وذلك بعد عرض الإسلام عليهم ومناقشتهم للرسول صلى الله عليه وسلم ، ولمَّا أخلفوا موعدهم في ذلك خيَّرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بين الجزية والقتال ، فرفضوا القتال، ورفضوا أيضًا (صورة الجزية) ، ولكنهم قَبِلُوا أن يَفْرض عليهم شيئًا من المال كلَّ عام ، عُرِف بمال الصلح ، واشترط عليهم شروطًا أَدْرَج ضمنها يهود نجران.
وأما قبيلة حمير أعظم القوى القَبَلِية في اليمن وأعرقها ، وصاحبة السيادة في تاريخ اليمن قبل الإسلام ، فقد أرسل إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من رسول، كان أوَّلهم "المهاجر بن أبي أمية" في السنة السابعة ، وقد جاء بالبشرى بإسلام ملوك حمير "مالك بن مرارة الرَّهَاوي" ، الذي أُرسل في السنة التاسعة للهجرة أو أواخر الثامنة ، وقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم "مُعَاذ بن جبل" إلى اليمن في أواخر السنة التاسعة للهجرة ؛ ليتولَّى ليس القيادة الإدارية للمنطقة الجبلية كلها الممتدة من نجران شمالاً حتى عدن جنوبًا ، وليس قبيلة حمير وحدها ، وإنما لتكون جزءًا من وَحْدَة إدارية كبيرة عُرِفت بالمِخْلاَف الأعلى ، وبمثل ذلك جاءت وفود بقيَّة القبائل ، مثل: كِنْدَة، وإقليم حضرموت، وتِهَامة اليمن.
كان إسلام هذه القوى وتلك القبائل قد أخذ الطابع السِّلْميَّ ، عن طريق استجابتهم لدعوة الإسلام دون حرب أو قتال .
وعلى هذا فإن مجموع أهل اليمن يكون قد دخل الإسلام بين العام السادس للهجرة وعام الوفود في السنة العاشرة للهجرة ، باستثناء نصارى نجران ، وكانت دَعَوِيَّة سلمية تَجَاوَبَ معها اليمنيون في معظم جهات اليمن.
إنتهى
=====================================
المصدر :
- البداية والنهاية لابن كثير
- الكامل في التاريخ لابن الأثير