عين سيف بن ذي يزن ملكاً على اليمن بعد طرد الأحباش ، لكن كسرى أمر قائد قواته بأن يعاهد بن ذي يزن على الأمانة للفرس ، وفرض عليه الجزية كل عام ، وأن يتزوَّج الفرس من قومه ، ولا يتزوَّج قومه من الفرس ؛ فوقعت اليمن بذلك تحت سيطرة الفرس ، وقال سيف بن ذي يزن قولته الشهيرة: "استبدلنا أسيادً بأسياد".
لما استقر سيف في ملك أجداده باليمن وطرد الحبشة عنها، وجلس في (قصر غمدان) ، وهو قصر كان لأجداده باليمن ، فامتدحته العرب بالأشعار .
كان "سيف بن ذي يزن" شديد الكره للاحباش وقد أستعبدهم وقد يكون أول شخص إستعبد العرق الافريقي ، من بعدها تم الاتجار بهم لمكه و الشام ، وكان "سيف بن ذي يزن" ، قد أصطفى جماعة من الحبش لخدمته ، وجعلهم من خاصته ، فاغتالوه وقتلوه.
أغضب هذا الفعل كسرى فأمر "وهرز" ان يلقنهم درسا قائلاً : ( لا تترك فيهم ثور اسود ) ، فبعث "وهزر" في أربعة آلاف من الفرس وأمره بقتل كل أسود أو متنسب إلى أسود ، ففعل وقتل الحبشة حيث كانوا ، وكتب بذلك إلى كسرى فأمره والياً على اليمن حتى هلك.
ولما مات "وهرز" أقام كسرى مكانه ابنه "المرزبان" ، ولما مات مرزبان ، أمّر ابنه "التّينُجان بن المرزُبان" ، ثمّ عزله و ولي على اليمن "باذان" إلى أن كانت بعثة الرسول عليه الصلاه والسلام.
أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى كل ملك في زمنه رسالة يدعوه فيها إلى الله ، وكان ممن كتب لهم كسرى عظيم الفرس ، فلما وصلته الرسالة وقام الترجمان بقراتها أخذها كسرى ومزقها ورمى بها وقال : "عبد من رعيتي يكتب اسمه قبلي ويرسل يتوعدني" .
لم يكتفي هذا الملك الخبيث بهذا القول الشنيع على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والفعل الشنيع بتمزيق الرسالة ، وإنما أرسل رسالة عاجلة إلى "باذان" الوالي على اليمن في صنعاء يقول له فيها : "أبعث برجلين من الفرس قويين إلى الحجاز فليأتياني بهذا الرجل الذي ارسل يتوعدني" .
وهكذا كان يفعل الفرس بالعرب من استخفافهم بهم ، اذ لا يتطلب الامر إرسال جيش بل يرسل رجلين فقط فيقومان بسحب رئيس القبيلة أو شريف من اشرافها من بين قومه و هم لا يستطيعون الدفاع عنه ، لان ذلك سيتسبب بفناء القبيلة كلها ان حاولت المقاومة .
و فعلا إختار "باذان" ضابطان قويان من الفرس ليأتيا برسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل الرجلان المدينة ، فاذا هي غير اماكن العرب الاخرى ، و دخلوا مسجد رسول الله ، و اذ بهم بين يدي رسول الله صلى الله عليهم و سلم و حوله الصحابة رضوان الله عليهم ، فاذ هي غير وجوه العرب التي عهدوها و أخذ الخوف برسولا كسرى فاذ بهما يرتعدان ، ودخلا عليه وقد حلقا لحاهما وفتلا شواربهما على عادة الجيش الفارسي ، فكره النبي النظر اليهما و أشاح بصره عنهما ، وقال : "ويلكما من أمركما بهذا" .
قالا : ربنا (يقصدان كسرى).
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : "ولكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي".
ثم استفسر النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب قدومهما ، فقال احدهما و هو يرتعد : أرسلنا الملك شاهنشاه لناخذك اليه .
فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم و قال لهما : "ارجعا إلى رحالكما اليوم ، وائتيا غداً ".
فلما غدوا على النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم التالي ، اخبرهما النبي صلى الله عليه وسلم بهلاك كسرى ، فقالا له : هل تدري ما تقول أفنكتب هذا عنك ونخبر به باذان ..!!
فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : "نعم أخبراه أن ربي قد قتل ربه الليلة وقولا له إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ كسرى وينتهي إلى منتهى الخف والحافر وقولا له إن أسلمت أعطيتك ما تحت يدك وملكتك على قومك".
فحدَّقا في وجه النبي ، وبدت الدهشة على وجهيهما و خرجا من عنده وقدما على باذان باليمن ، وقالا له : لقد أرسلتنا إلى رجل لا نستطيع أن نأتى به إلا إذا أتيناك بأهل المدينة جميعًا ، و أخبراه بقول النبي صلى الله عليه وسلم بمقتل كسرى.
فقال باذان : ننتظر حتى تأتينا الرسل من فارس ، فلئن كان ما قال محمّدٌ من قتل كسرى حقًا فإن محمد نبيّ صادق .
لم يكن وقتها أقمار صناعية ، أو محطات بث مباشر ، أو محطات وكالات أنباء عالمية ، لم يكن لهذا كله وجود ، بل إن الخبر يومها يحتاج إلى شهر كامل أو يزيد حتى ينتقل إلى اليمن .
وعلم أهل اليمن بالقصة كلها ، فظل باذان ومن معه من أهل اليمن فى انتظار الرسل من قبل كسرى .. انتظروا شهرًا كاملاً حتى جاءت الرسل ، فقال لهم أهل اليمن : هل حقًا قُتل كسرى ؟.
فتعجب الرسل قائلين : من أخبركم ؟!
قال باذان : كيف تم ذلك ؟!
قالوا : لقد قامت ثورة كبيرة ضد كسرى من داخل بيته بعد أن لاقت جنوده هزيمة منكرة أمام جنود قيصر، فقد قام "شيرويه بن كسرى" على أبيه فقتله ، وأخذ الملك لنفسه، وكان ذلك في ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الأولى سنة سبع هـ ، واستلم حكمه.
فحسبوا الليلة التى قتل فيها فإذا هى الليلة التى أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فض باذان رسالة شيرويه التى فيها :
” أما بعد فقد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا انتقامًا لقومنا ، فقد استحلَّ قتلَ أشرافهم ، وسبيَ نسائهم ، وانتهابَ أموالهم ، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممّن عندك “.
فما إن قرأ باذان كتاب شيرويه ، حتى طرحه جانباً ، وأعلن دخوله في الإسلام ، وأسلم من كان معه من الفرس في بلاد اليمن .
وصل الخبر إلى مدينة رسول الله يعلمهم بإسلام باذان وإسلام أهل اليمن .
وفرح النبى صلى الله عليه وسلم بإسلامهم فرحاً شديدًا ، وقال لأصحابه مُرحباً بوفدهم : "أتاكم أهل اليمن ، هم أرق قلوبًا منكم ، وألين أفئدة ، وهم أول من جاء بالمصافحة" .. ثم قال صلى الله عليه وسلم : ” الإيمان يمان ، الفقه يمان ، والحكمة يمانية ” .
وأرسل إليهم جماعة من أكابر أصحابه يعلمونهم الإسلام منهم الصحابى الجليل على بن أبى طالب ثم معاذ بن جبل الذى قال معلمًا إياه : ” إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله تعالى فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات فى يومهم وليلتهم فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة فى أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقيرهم فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس “.
وأمر النبى صلى الله عليه وسلم أن يظل باذان على والي على اليمن.
يتبع...
=======================================
المصدر :
- البداية والنهاية لابن كثير
- الكامل في التاريخ لابن الأثير