كان سليمان عليه السلام مع حداثة سنِّه من ذوي الفطانة و الذكاء و حُسن التدبير و السياسة ، وقد منحه الله تعالى منذ صِباه الذكاء و الحِكمة و حُسن القضاء ، فقد كان أبوه في أيام مُلكه يُشاوره في أموره مع حداثة سِنه .
وقد ذكر القرآن الكريم طرفًا من ذلك النبوغ و الذكاء الذي كان عند سُـليمان وذلك في قصة الحرث و الزرع الذي نفشت فيه الغنم ، أي رعت فيه ليلاً فاستفتى داود عليه السلام فأفتى فيها بوجه ، وأفتى فيها إبنه سُـليمان بوجه آخر ، و وُفِـق سُـليمان إلى الحُكم الأقوم عليهما الصلاة و السلام. وذلك في قوله تعالى : { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ }.
وتفصيل هذه القصة أن زرعًا لقوم دخلت فيه غنمٌ لقوم آخرين ليلًا فأكلته وأفسدته ، فجاء المتخاصمون إلى داود وكان عنده إبنه سُـليمان وقصوا عليه القصة فحكم داود بالغنم لصاحب الزرع عِوضًا عن حرثه الذي أتلفـته الغنم ليلًا ، فقال سٌـليمان : « أو غير ذلك؟ » قال : « ما هو؟ » قال : « تدفعُ الغنمُ إلى أهل الحرث فينتفعون بألبانها و أولادها و أشعارها ، وتدفعُ الحرث إلى أهل الغنم يقومون بإصلاحه حتى يعود كما كان ثم يترادان بعد ذلك ، فيعود لأهل الغنم غنمهم ولأهل الحرث حرثهم » فكان ما أفتى به سُـليمان أقرب للصواب وأضمن للحق ، فقال داود : « قد أصبت القضاء » ثم حكم بذلك.
ومما يدل أيضًا على حِكمته و فطانته و جودة رأيه في الحُكم و القضاء ما جاء في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :
« بينما إمرأتان معهما إبناهما إذ عدا الذئب فأخذ إبن إحداهما فتنازعتا في الآخر ، فقالت الكبرى : " إنما ذهب بإبنك " وقالت الصغرى : " بل إنما ذهب بإبنك " فتحاكمتا إلى داود فحكم به للكبرى فخرجتا على سُـليمان فقال : " أئتوني بسكين أشقه بينكما نصفين لكل واحدة منكما نصفه " فقالت الصغرى : " لا تفعل يرحمك الله ، هو إبنها " فقضى به لها »
رواه البخاري و مسلم.