كانت قرية من قرى فرنسا تعيش في أمن ودعة، حتى نزل بها ذلك القسيس ، فنزل بها البلاء وهبطت المصائب ، و صاح منذراً بفناء النصرانية وضياع الدين، ويدعو إلى إنقاذ قبر المسيح من المسلمين أكلة لحم البشر ، الذين أهانوه وحقروه ..!!
نهضت الجموع تتبع القسيس بجهالة ، و بينهم " هيلانة و لويس " ، زوجان شابان متحابان و ابنهما الرضيع ، مرت الايام و اصبحت الارض المقدسة قبر مفتوح ، مخضبة بالدماء لا يسمع فيها الا عويل في معسكر النصارى ، و اذا هيلانة تبكي زوجها الذي فقد في المعركة و تعانق صغيرها ، و صديقتها تحاول التخفيف عنها قائلة : اصبري يا أختاه الا يرضيك انه مات في سبيل النصرانية ، ثم إن عندك لويس الصغير، ألا تسمعين كيف يبكي؟ إنه ابنه يا هلين، ابن الحبيب، فعيشي من أجله.
الى الجانب الاخر كان معسكر المسلمين صامتاً مظلماً لا يرى في خلاله إلا النور الذي يسطع من خيمة السلطان، الى ان ظهر رجلين يتقدمان في الظلام يريدان معسكر المسلمين، وقد حمل أحدهما خرقة بيضاء قد ضمها إلى صدره برفق ، انه طفل هيلانة ، فقال له رفيقه : ماذا ترى السلطان قائلاً لنا؟ أتراه راضياً عن عملنا وهو الذي أوصانا ألا نعرض للنساء والأطفال.
فاجابه : لماذا يغضب؟ النصارى ايضا روّعوا نساءنا وسرقوا أطفالنا فلما صبرنا عنهم وترفعنا عن مقابلتهم بمثل فعلهم، ظنوا ذلك عجزاً منا فأوغلوا في عدوانهم الآثم الدنيء؟!
قطع حديثهما صوت هيلانة وهي سافرة تصيح بالفرنسية و تصرخ باكية ، تعدو حتى بلغت الحرس فصاحوا بها: قفي.
فوقفت تنظر ماذا يريدون. . . ولم تكن تدري ما الحرس وما الحروب، وما جاء بها إلا إيمانها الذي استغله دعاة الشر وسخروها من أجله لمنافعهم فحرموها زوجها وطفلها وجرعوها كما جرعوا الآلاف المؤلفة من البشر غصص الآلام ..!!
وجعلت تصرخ فيهم بالفرنسية : ابني، ابني أيها الجند؟ ردّوه عليَّ، أريد ابني، فلماذا تمسكونه؟ هل قتلتموه؟اني المح الشفقة في وجوهكم ، فلماذا لا تردو علي ولدي .
فلا يفهمون منها شيئاً، فتعود إلى صراخها حتى جاء رجل منهم يعرف لسانها فقال - ومن هو ابنك أيتها المرأة؟
- ابني لويس .. لويس .. أنا هيلانة .. ردّوه عليّ أريد أن أقابل السلطان ....
فأخذتهم الشفقة بها فاخذوها الى خيمة السلطان ، وقد كان انذاك مشغولا يحدثه رسوله ان أوروبا اجتمعت على المسلمين ، وان جيشا من الالمان يزحف من الشمال ، فيرد عليه السلطان : وإن الله أكرم من أن يخيب من يلتجئ إليه !!
وفي خارج الخيمة السلطانية وقفت هيلانة ، وقد ابصرها أسير أضطرب لما رآها ووجف قلبه، فنهض الأسير يصرخ صراخ الوحش الكليم: أريد أن أراها، أريد أن أراها. . .
وراع صياحه الأسرى وهم يعهدونه وديعاً كالحمل، وأسرع إليه الحرس يكلمونه فلا يجيب إلا بهذا الصراخ، فرفعوا أمره إلى السلطان وأدخلوه عليه .
فلما دخل الاسير لمجلس السلطان وقع نظره على هيلانة وهي راضية مطمئنة وابنها في حجرها، فركض الاسير نحوها و المراة تنظر في ذهول ، لم تكد تصدق انه زوجها وهو حي يرزق ، تتلمس وجهه سائلة احقيقة ام خيال ، ومن خلفهما سلطان المسلمين يشيح بوجهه حياء ولا يحرمهما من فرحة اللقاء .
تلفت السلطان فاذا هما جاثمين يطلبان منه تقبيل يده فيابى و يقول : إنّا لم نفعل إلا ما يأمرنا به ديننا؟
قالت هيلانة : أدينك يأمرك بهذا؟
- قال: نعم، فإن الإسلام رحمة للعالمين، للإنسانية كلها.
قالت: أفتضيق هذه الرحمة عن امرأة مسكينة. . . تحب أن تسعد وتحيا بسلام، في ظلال الإسلام؟
فتهلل وجه السلطان وقال لها: إن رحمة الله وسعت كل شيء
فردد الزوجين الشهادة امام ناظريه ، و اختارا العيش بين المسلمين ، حيث بعث حبهما من جديد ، وقالت هيلانة لزوجها : أليست هذه هي الأرض التي ولد فيها المسيح؟ إننا لم نخسر المسيح، ولكننا ربحنا معه محمداً ..!!
خرجا وكان جيش المسلمين يمشي إلى النصر المؤزر ، فلما حرر السلطان صلاح الدين القدس ، كان لويس من خلفه يحمل سيفه مكّبراً مهللاً...
=======================================
المصدر :
- كتاب ( قصص من التاريخ ) لفضيلة الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله.