اليرموك معركة وقعت بين المسلمين والروم، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى الوادي الذي وقعت فيه، وهو وادي (اليرموك)، واليرموك: "نهر ينبع من جبال حوران، يجري قرب الحدود بين سوريا وفلسطين، وينحدر جنوباً ليصب في غور الأردن ثم في البحر الميت، وينتهي مصبه في جنوب الحولة، وقبل أن يلتقي بنهر الأردن بمسافة تتراوح بين ثلاثين وأربعين كيلومتراً يوجد وادٍ فسيح تحيطه من الجهات الثلاث جبال مرتفعة بل شاهقة الارتفاع ويقع في الجهة اليسرى لليرموك.
اختار الروم الوادي؛ لأنه المكان الذي يتسع لجيشهم الضخم، الذي يبلغ عدده مائتين وأربعين ألف مقاتل تقريباً، وأما المسلمون فقد عبروا النهر إلى الجهة اليمنى، وضربوا معسكرهم هناك في وادٍ منبطح يقع على الطريق المفتوح لجيش الروم، وبذلك أغلقوا الطريق أمام الجيش المزهو بعدده وعدته، فلم يعد للروم طريق يسلكونه، أو يفرون إذا اضطروا للفرار؛ لأن جيش المسلمين قد أخذ عليهم مسلكهم الوحيد" سنة وقوعها: 13 هجرية.
القائد العام لجيش الدولة الإسلامية:
خالد بن الوليد رضي الله عنه. عدد مقاتلي الجيش الإسلامي: (36-40) ألف مقاتل، يزيد أو ينقص قليلا
فقد وقع اختيار أمير المؤمنين أبو بكر الصديق رضي الله عنه على خالد بن الوليد رضي الله عنه لقيادة جيوش المسلمين، وقال الصديق رضي الله عنه مقالته المشهورة: (والله لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد )
التقسيم التنظيمي للجيش الإسلامي:
قَسَّم قائد الجيش الإسلامي خالد بن الوليد رضي الله عنه الجيش إلى (36-40) كردوساً، كل كردوس فيه 1000 مقاتل، ثم قسم كراديس الجيش إلى قلب وميمنة وميسرة وجعل على كل منها أميراً.
قادة الجيش الإسلامي :
1- أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه يقود كراديس القلب.
2- عمرو بن العاص رضي الله عنه يقود كراديس الميمنة.
3- يزيد بن أبي سفيان يقود كراديس الميسرة.
بعض قادة الكراديس:
- عياض بن غنم رضي الله عنه.
- القعقاع بن عمرو التميمي رضي الله عنه.
- هاشم بن عتبة رضي الله عنه.
- زياد بن حنظلة رضي الله عنه.
- امرؤ القيس رضي الله عنه.
- عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه.
- عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وهو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة.
- حبيب بن مسلمة رضي الله عنه.
- صفوان بن أمية رضي الله عنه.
- عبد الله بن قيس رضي الله عنه.
- عمرو بن عبسة رضي الله عنه.
- الزبير بن العوام رضي الله عنه.
- ضرار بن الأزور رضي الله عنه.
جيش الروم:
قائد جيش الدولة البيزنطية (الرومية):
باهان وهو رجل من أبناء فارس تنصر ولحق الروم .
عدد مقاتلي جيش الروم:
بحدود 240 ألف مقاتل .
التقدم للمعركة:
بعد الخسائر التي تكبدتها جيوش الدولة البيزنطية (الرومية) برئاسة هرقل ، في المعارك مع جيوش الدولة الإسلامية التي يرأسها أبو بكر الصديق رضي الله عنه في إقليم الشام، كانت إقامة هرقل في أنطاكية فقرر جمع ما يستطيع من مقاتلي الروم من القسطنطينية وبلاد الشام وروميا، لخوض معركة فاصلة يوقف من خلالها المد الإسلامي في أراضي الشام، وبالفعل استطاع أن يجمع حشود هائلة من الجند أتوه من جميع أنحاء مملكته وتجمعوا في وادي اليرموك في الشام..
أصدر أبو بكر رضي الله عنه أوامره لخالد بن الوليد رضي الله عنه بأن يترك العراق، ويتوجه على وجه السرعة إلى بلاد الشام ويستلم القيادة من أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، "وبعد وصول خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى بلاد الشام، أمر الخليفة أبو بكر رضي الله عنه خالداً أن يتولى أمر القيادة فيها، حيث كانت قوات المسلمين موزعة في الأقاليم المخصصة لها.
أما القوات الرومية فقد توزعت في ناحيتين: الناحية الأولى على الساحل وهدفها ملاقاة عمرو بن العاص في أرض فلسطين.
أما الناحية الثانية فوجهتها حمص وبعلبك ودمشق، والهدف من ذلك هو شل قوات عمرو بن العاص ثم الالتفاف حول بقية قوات المسلمين وتدميرها، لذلك قرر خالد بن الوليد رضي الله عنه أن تتجمع جيوش المسلمين في سهل اليرموك على أن تبقى بعض قوات عمرو بن العاص في فلسطين لصد تقدم القوات الرومية تجاهه .
أحداث المعركة:
حاول قادة جيش الروم مسك زمام المبادرة في المعركة، مستثمرين الفرق العددي الهائل بينهم وبين جيش المسلمين، فباشروا بالهجوم من أول أيام المعركة، وبالفعل استطاعوا اختراق كراديس الجيش الإسلامي في أول الأمر من الميمنة والميسرة والنفاذ إلى مقر القيادة خلف القلب، والاقتراب كثيراً من خيمة القائد خالد بن الوليد رضي الله عنه، والتحم خيالة الجيش الإسلامي ورجاله مع الروم واظهروا صوراً عجيبة في القتال، والتضحية والفداء.
ومن المواقف المشهودة موقف عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه حيث:قال عكرمة بن أبي جهل يومئذ: ( قاتلت رسول الله في كل موطن وأفرّ منكم اليوم )، ثم نادى من يبايع على الموت فبايعه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور، في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعاً جراحاً وقُتلوا إلا من برأ ومنهم ضرار بن الأزور، قال: وأتي خالد بعدما أصبحوا بعكرمة جريحاً فوضع رأسه على فخذه وبعمرو بن عكرمة فوضع رأسه على ساقه، وجعل يمسح عن وجوههما ويقطر في حلوقهما الماء.
وواجه خالد رضي الله عنه ميسرة الروم التي حملت على ميمنة المسلمين، فقتل منهم ستة آلاف، والتفت إلى أصحابه وقال: ( والذي نفسي بيده لم يبقَ عندهم من الصبر والجلد إلا ما رأيتم، وإني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم ) ، ثم اعترضهم فحمل بمائة فارس على مائة ألف منهم، فلم يكد يصل إليهم حتى أنفضَّ جمعهم، وحمل عليهم المسلمون حملة صادقة، فانكشفوا لا يلوون على شيء وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون.
بعد هذا الاستبسال استطاع مقاتلي الجيش الإسلامي دفع الكتل البشرية من الروم، وإرجاعهم إلى ما كانوا عليه وليعود القتال طبيعياً، واستمر القتال لمدة ستة أيام متتالية، كانت الأيام الأربعة الأولى أيام شدة وضيق على الجيش الإسلامي، مثلما هي على جيش الروم ، وتخفت الأصوات في أرض المعركة، فقد حمي الوطيس، ولا يُسمع إلا صوت صهيل الخيول وصليل السيوف.
حتى كان اليوم الخامس والسادس، انهارت فيهما قوى جيش الروم، وبانت بوادر نصر المؤمنين المسلمين وهزيمة الروم المشركين.
ومن الأمور التي لابد من ذكرها:
أن قادة الروم قد ربطوا كل عشرة -أو أقل من ذلك- من جنودهم في سلسلة حديدية واحدة من أجل أن لا يهربوا أثناء المعركة فراداً، فلما كان اشتداد القتال استطاع المسلمون أن يسحبوهم للقتال إلى قرب وادي فحين يقتل من الروم جنديٌ أو يُدفع ليقع في الوادي يسحب معه بقية العشرة فيسقطوا جميعاً، فسقط كمٌ غفيرٌ بلغوا عشرات الألوف من مقاتلة الروم في الوادي.
وهكذا فإن من يُقاتل بلا مبدأ أو عقيدة، ومن يعوزه الإيمان الراسخ ليربطه بقضيته، سيحتاج إلى سلاسل يُربط بها من أجل أن لا يهرب مما جيء به من أجله.
هروب قيصر الروم هرقل:
بعد انتهاء المعركة وقد قُتل عشرات الآلاف من الروم، وأُسر الآلاف، قرر قيصر الروم هرقل أن يهرب نحو القسطنطينية، وهي عاصمة الدولة البيزنطية، يقول ابن الأثير في الكامل: "وسار هرقل فنزل بشمشاط ثم أدرب منها نحو القسطنطينية فلما أراد المسير منها علا على نشز ثم التفت إلى الشام فقال:
( السلام عليك يا سورية، سلام لا اجتماع بعده، ولا يعود إليك رومي أبداً إلا خائفاً ).
مشاهد من المعركة:
كان قائد جيش المسلمين خالد بن الوليد رضي الله عنه يوضح لأفراد جيشه بأن النصر من الله عز ورجل، فقد قال رجل لخالد: "ما أكثر الروم وأقل المسلمين!!
فقال خالد: " ما أقل الروم وأكثر المسلمين ، إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال" .
وهكذا فإن القادة العظام يعلّمون اخوانهم و أبناءهم اقتحام الصعاب، والرجولة والعيش في ظروف شديدة وقاسية، ويمنحونهم الفرصة للمرور في ظروف الأزمات والتجارب المريرة، والخوض في عباب المعضلات، ومواجهة الشدائد والوقوف بوجهها، ويكونون لهم القدوة الحسنة، في معركة ليست كباقي المعارك، إنها معركة فاصلة وهائلة، ولكن الكبار يُنَشِّئون كباراً.
======================================
المصادر :
1 / البداية والنهاية : بن كثير
2 / المنتظم في تاريخ الملوك والأمم : بن الجوزي
3 / تاريخ الرسل والملوك : الطبري
4 / الكامل في التاريخ : بن الأثير