عندما علم النجاشي ملك الحبشة بما حدث من أبرهة ومقتل أرياط غضب غضباً شديداً واقسم ألا يدع أبرهة حتى يطأ أرض اليمن ويجز ناصيتة ، وان يجعل أبرهة يشعر بالذل والإهانة .
فعرف أبرهة بقسم النجاشي فقام بحلق رأسه ، وأرسل شعره وبعض من تراب اليمن إلى الحبشة حيث النجاشي ، وقال : "هذا شعري وهذا تراب اليمن بر بقسمك ، وما فعلت ما فعلت إلا لما ظلمنا أرياط، وأنا تابع لك وخادمك وموالٍ لك وما زلت تحت إمرتك" ، واعتذر من النجاشي فرضي عنه وأقرة عامل له في اليمن.
بعدها أراد أبرهة أن يبرهن على ولاءه وأن يظهر مكانة النجاشي وعظمته ، فبنى كنيسة كبيرة جدا في صنعاء وعرفت بأسم (القليس) ، وأرسل إلى النجاشي وقال له : " لقد بنيت لك كنيسة عظيمة ، وسآمر العرب أن يحجوا إليها بدلاً من كعبتهم " ، وأرسل إلى قبائل العرب يأمرهم بالحج إلى القُليس بدل الكعبة . "
تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي ، ووصلت الرسالة إلى قبيلة من العرب تدعى أهل (النسيء) وكان أهل النسيء يحبون الكعبة ويعظموها ، وكانت لهم مكانة كبيرة ومميزة بين العرب ، لكنهم كانوا زيادة في الكفر ، كانوا يعيشون على الحرب والسبي والغزو ، فكانوا أهل النسيء يبدلون ويأخرون بين الأشهر الحرم ويحلون عاما ويحرمون عاما ، ومعنى نسيئ (أي تأخير) ، كانوا هؤلاء ينسأون الأشهر .
كما قال الله تعالى : {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (التوبة - 37).
فعندما وصلت رسالة أبرهة إلى قبيلة النسيء غضب رجل منها ، فخرج حتى أتى القليس فأحدث فيها (تغوط بها) وخرج فلحق بأرضه ، فعلم أبرهة بذلك فقال : من صنع هذا ؟ فقيل له : صنع هذا رجل من العرب من أهل هذا البيت الذي تحج العرب إليه بمكة لما سمع قولك : ( أصرف إليها حج العرب ) ، غضب فجاء فقعد فيها ، أي أنها ليست لذلك بأهل .
فغضب عند ذلك أبرهة وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه ، ثم أمر جيوش الحبشة فتهيأت وتجهزت ، وبذلك أُتيحت له الفرصة لفتح مكة وضمّ اليمن إلى بلاد الشام ، مما يؤدي إلى توسيع البلاد النصرانية.
يتبع...
======================================
المصدر :
- البداية والنهاية لابن كثير
- الكامل في التاريخ لابن الأثير