بعد انتهاء حكم أبرهة على اليمن خلفه ابنه "يكسوم بن أبرهة"،ثم أخوة "مسروق بن أبرهة "وتنامت في عهده العداوة عند اليمنيين للوجود الحبشي ، وتطلع اليمنيون للتحرر من الاحتلال الحبشي لبلادهم ، ففي هذه المرحلة من مراحل التاريخ في اليمن ، ظهر الصراع بين جبهتين تستمد كل منهما العون من الخارج ، الجبهة الأولى هم المسيحيون و الأحباش يستمدون العون من بيزنطة البيزنطيين ، والجبهة الثانية هم اليمنيون الوثنيون واليهود ويستمدون العون من الفرس.
فلما طال البلاء على أهل اليمن خرج "سيف بن ذي يزن الحميري" ، إلى قيصر الروم ليرجوه أن يكف يد الأحباش عن اليمن ، و يولي عليها من يشاء من الروم ، فأجابه قيصر أن الأحباش على دين المسيحية كالروم ولن يساعده ضدهم.
فخرج حتى أتى "النعمان بن المنذر" وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق ، فشكا إليه أمر الحبشة فقال له النعمان : "إن لي على كسرى وفادة في كل عام فأقم عندي حتى يكون ذلك".
ثم خرج معه فأدخله على كسرى ، وكان كسرى "أنوشرون" في إيوان مجلسه ، فلما دخل عليه طأطأ رأسه فقال الملك : إن هذا الأحمق يدخل علي من هذا الباب الطويل ثم يطأطئ رأسه.
فقيل ذلك لسيف فقال : إنما فعلت هذا لهمي لأنه يضيق عنه كل شيء ، ثم قال : أيها الملك غلبتنا على بلادنا الأغربة .
قال كسرى : أي الأغربة ، الحبشة أم السند ؟.
قال : بل الحبشة فجئتك لتنصرني ، ويكون ملك بلادي لك . فقال له كسرى : بعدت بلادك مع قلة خيرها فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب لا حاجة لي بذلك.
فقال: لم آتك للمال وإنما جئتك للرجال ولتمنعني من الذل والهوان وإن جبال بلادنا ذهب وفضة.
فأعجب كسرى بقوله وقال : "يظن المسكين أنه أعرف ببلاده مني" ، واستشار وزراءه في توجيه الجند معه ، فقال لهم : ما ترون في أمر هذا الرجل وما جاء له ؟
فقال قائل : أيها الملك إن في سجونك رجالاً قتلة قد حبستهم للقتل فلو أنك بعثتهم معه ، فإن أصابوا ظفراً كان للملك وإن هلكوا فقد استراح وأراح أهل مملكته منهم.
فأمر كسرى بمن في السجون فأحضروا فكانوا ثمانمائة رجل وأستعمل من أساورته "وهرز" قائداً عليهم ، وكان ذا سن فيهم وأفضلهم حسباً وبيتاً .
فخرجوا في ثمان سفن فغرقت سفينتان ووصل إلى ساحل حضرموت ست سفن ، فجمع "سيف بن ذي يزن" من أستطاع من قومه وأنضموا إلى "وهرز".
وسار إليهم "مسروق بن أبرهة" في مائة ألف من الحبشة ومن أوباش اليمن ، وجعل "وهرز" البحر وراء ظهره وأحرق السفن لئلا يطمع أصحابه في النجاة ، وأحرق كل ما معهم من زاد وكسوة إلا ما أكلوا وما على أبدانهم ، وقال لأصحابه : "إنما أحرقت ذلك لئلا يأخذه الحبشة إن ظفروا بكم وإن نحن ظفرنا بهم فسنأخذ أضعافه فإن كنتم تقاتلون معي وتصبروني أعلمتموني ذلك وإن كنتم لا تفعلون أعتمدت على سيفي حتى يخرج من ظهري فانظروا ما حالكم إذا فعل رئيسكم هذا بنفسه".
قالوا : بل نقاتل معك حتى نموت أو نظفر.
وقال وهرز لسيف بن ذي يزن : ما عندك ؟
قال سيف : ما شئت من رجل عربي وسيف عربي ثم إجعل رجلي مع رجلك حتى نموت جميعا أو نظفر جميعا.
قال وهرز : أنصفت.
وأقبل مسروق بن أبرهة في جمع لا يرى طرفاه وهو على فيل وعلى رأسه تاج وبين عينيه ياقوتة حمراء مثل البيضة لا يرى دون الظفر شيءً.
فأرسل إليهم "وهرز" إبناً له ليقاتلهم فيختبر قتالهم ، فقتل إبن وهرز فزاده ذلك حنقاً عليهم.
فلما تواقف الناس على مصافهم قال وهرز : أروني ملكهم ، فقالوا له : أترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه بين عينيه ياقوتة حمراء؟ قال : نعم ، قالوا : ذلك ملكهم فقال : اتركوه .
فوقفوا طويلا ، ثم قال : علام هو؟ قالوا : قد ركب على الفرس ، قال : اتركوه ، فتركوه طويلا ثم قال علام هو ؟ قالوا : قد ركب على البغلة ، فقال وهرز : بنت الحمار ذل وذل ملكه إني سأرميه فإن رأيتم أصحابه لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم فإني قد أخطأت الرجل ، وإن رأيتم القوم قد استداروا به ولاثوا فقد أصبت الرجل فاحملوا عليهم .
ثم وتر قوسة ورماه فصك الياقوتة التي بين عينيه ، وتغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه ونكس عن دابته ، واستدارت الحبشة ولاثت به ، وحملت عليهم الفرس فانهزموا فقتلوا وهربوا في كل وجه ، وغنم الفرس من عسكرهم ما لا يحد ولا يحصى ، وقال وهرز : كفوا عن العرب واقتلوا الأحباش ولا تبقوا منهم أحدا.
وهكذا إنتهى حكم الحبشة في اليمن ، وكان مدة ملك الحبشة اليمن اثنتين وسبعين سنة ، توارث ذلك منهم أربعة ملوك : أرياط ثم أبرهة ثم ابنه يكسوم ثم مسروق بن أبرهة .
وسار "وهرز" حتى دخل صنعاء وغلب على بلاد اليمن وأرسل عماله في المخاليف ، وأقبل "وهرز" ليدخل صنعاء حتى إذا أتى بابها قال : لا تدخل رايتي منكسة أبدا ، أهدموا هذا الباب ، فهدم ثم دخلها ناصبا رايته.
وجاءت وفود العرب إلى "سيف بن ذي يزن" لتهنئه بالملك ، وفيهم وفد من قريش فيه عبد المطلب بن هاشم ، فأكرم وفادتهم وأجزل لهم العطايا.
أرسل "وهرز" إلى كسرى يعلمه بذلك ، وبعث إليه بأموال ، فأمر كسرى أن يُنصبِ "سيف بن ذي يزن" والياً على اليمن وأمره بدفع الجزية ، لتكون اليمن قد خرجت من أستعمار حبشي ، إلى أستعمار فارسي ، وقال سيف بن ذي يزن قولته الشهيرة: (إستبدلنا أسيادً بأسياد) ، وكانت صنعاء والبلاد المجاورة لها تخضع للاستعمار الفارسي ، وتحكم الفرس في مقدرات البلاد ، التي يسيطرون عليها وينهبون ثرواتها ، يحكمون الناس بالظلم والبطش ، أما المناطق اليمنية التي لم يمتد إليها الحكم الفارسي ، كانت تعيش حالة من الصراعات والنزاعات القبلية.
يتبع...
======================================
المصدر :
- البداية والنهاية لابن كثير
- الكامل في التاريخ لابن الأثير